تقرير – شهاب
بينما تتجه أنظار المنطقة إلى اللقاء المرتقب بين رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تتصاعد القراءات السياسية التي ترى في هذا الاجتماع محطة مفصلية ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس بما يتعلق بالحرب على قطاع غزة فقط، ليزداد ذلك على مستوى الإقليم بأسره، من لبنان إلى إيران، مرورًا بالضفة الغربية.
اللقاء، الذي يُعقد في ظل تصاعد الضغوط الدولية لمنع عودة الحرب على غزة، يأتي في وقت تتشابك فيه الحسابات العسكرية بالاعتبارات السياسية والانتخابية، ويتحول فيه ملف "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار وسلاح المقاومة وقوات التواجد الدولي إلى أوراق مساومة على طاولة المصالح الكبرى.
وتشير التحليلات إلى أن الإدارة الأمريكية تدفع باتجاه الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، باعتبارها مرحلة جوهرية للفلسطينيين، تتعلق بإنهاء الحرب، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم في القطاع، غير أن هذا المسار يصطدم بعقبة رئيسية تتمثل في سلوك نتنياهو القائم على التسويف والمراوغة.
فوفق قراءات سياسية، يتعمد نتنياهو اختلاق ذرائع جديدة للتهرب من استحقاقات المرحلة الثانية، عبر طرح مطالب تتجاوز نصوص الاتفاق، مثل الإصرار على البقاء العسكري في مناطق داخل القطاع، وتعطيل انتشار قوات التواجد والاستقرار الدولية، ووضع ملف “نزع سلاح المقاومة” كشرط مسبق لأي تقدم سياسي.
ويرى محللون أن هذه الطروحات لا تعكس التزامًا حقيقيًا بالاتفاق، بقدر ما تمثل محاولة من نتنياهو لتحقيق “إنجاز سياسي صوري” يعوض فشله في تحقيق أهداف الحرب ميدانيًا، في مقابل التزام واضح من فصائل المقاومة بما تم التوافق عليه حتى الآن.
تحديد ملامح المرحلة القادمة
الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، قال إن ملامح المرحلة القادمة فيما يخص الحرب على قطاع غزة والملفات الإقليمية، ستتضح بشكل جلي عقب اللقاء المرتقب في فلوريدا بين رئيس حكومة الاحتلال "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تضغط باتجاه الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من الاتفاق، وهي مرحلة وصفها بالجوهرية والمهمة للفلسطينيين.
وأوضح القرا خلال حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن نتنياهو يتبع أسلوبه المعهود في "التسويف والمراوغة" للتهرب من استحقاقات الاتفاق، خاصة ما يتعلق بالمرحلة الثانية، عبر اختلاق ذرائع ومطالب تعجيزية، من بينها التمسك بالبقاء العسكري في مناطق معينة، وطرح قضية "نزع سلاح المقاومة"، وتعطيل انتشار قوات التواجد والاستقرار الدولي.
واعتبر أن هذه الطروحات تخالف بنود الاتفاق وتأتي في محاولة من نتنياهو لتحقيق أي "إنجاز صوري" فشل في تحقيقه ميدانياً على مدار عامين، مؤكداً في الوقت ذاته أن المقاومة ملتزمة تماماً بما تم التوافق عليه.
وكشف القرا عن وجود تفاهم لدى الإدارة الأمريكية لصعوبة "نزع فكرة المقاومة" عسكرياً، حيث تعتقد واشنطن أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يتم عبر "طرق ناعمة" وليس من خلال استمرار الحرب أو الوجود العسكري "الإسرائيلي".
كما أشار إلى معضلة "قوات التواجد الدولي"، حيث يرى ترامب ضرورة الحفاظ على هذا المسار كإنجاز سياسي، بينما يصطدم ذلك برفض دول وازنة (مثل تركيا وغيرها) إرسال قواتها أو التعاون في ظل وجود الجيش "الإسرائيلي"، مما يجعل انسحاب الاحتلال شرطاً أساسياً لعمل هذه القوات.
وفيما يخص التصعيد الإقليمي، لفت القرا إلى أن نتنياهو يستخدم نفس الذرائع التي يسوقها في غزة (مثل نزع السلاح) لتبرير رغبته في توسيع الحرب لتشمل لبنان وإيران.
وتوقع المحلل السياسي أن تظهر نتائج لقاء واشنطن وفلوريدا تبايناً في التعاطي الأمريكي؛ فبينما تدفع الولايات المتحدة نحو تثبيت الحالة في غزة والذهاب للمرحلة الثانية لمنع عودة الحرب، قد يعطي ترامب "فرصة" لنتنياهو للتحرك ضد حزب الله أو توجيه ضربات لإيران، نظراً لتقاطع التوجهات بين الإدارة الأمريكية والاحتلال في هذا الملف تحديداً.
تصعيد حتمي
أما المختص في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي، أكد على أن اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في ميامي ليس مجرد لقاء تشاوري، حيث يعتبر نقطة تحول حاسمة ستضع خارطة طريق لمستقبل منطقة غرب آسيا.
وأضاف ياغي في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، بأن القادم للمنطقة لن يكون هدوءاً أو استقراراً بأي حال من الأحوال، بل هو تصعيد حتمي.
وأشار إلى أن أحداث السابع من أكتوبر لم تكن سوى ذريعة لتنفيذ مخططات معدة مسبقاً، تهدف إلى فرض استراتيجية "السلام بالقوة" التي يتبناها ترامب، والقائمة على إخضاع الدول ونهب ثرواتها وتحويلها إلى حارس لأمن "إسرائيل".
ويستبعد ياغي وجود أي خلافات جوهرية بين الزعيمين، فالتفاهم الاستراتيجي بينهما راسخ وثابت، وهو أمن "إسرائيل" جزء لا يتجزأ من أمن أمريكا.
ولهذا، يرى المحلل أن اللقاء سيُدار بعقلية "الصفقات الاقتصادية" التي يتقنها ترامب ونتنياهو على حد سواء، وستكون المحصلة هي مقايضة ملفات إقليمية كبرى، حيث يتم التوافق على أدوات وسياسات المرحلة القادمة بما يخدم المصالح الأمريكية ولا يمس جوهر التفوق والأمن الإسرائيلي، مع تضييق أي فجوات تباين قد تظهر في الإعلام.
في الملف الفلسطيني، يتوقع ياغي أن يشهد اللقاء مقايضة سياسية حساسة بين غزة والضفة الغربية، بمعنى أن تغض الإدارة الأمريكية الطرف عن ممارسات الحكومة والمستوطنين المتطرفين في الضفة، مقابل البدء التدريجي بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب لغزة.
وبين أن هذه المرحلة تشمل تشكيل حكومة تكنوقراط وقوة استقرار دولية، مع إبقاء نتنياهو على ورقة المماطلة الإسرائيلية، ورهانه على أن الانقسام الفلسطيني وتعقيدات الوضع الداخلي في غزة ستؤدي حتماً إلى فشل الخطة.
أما الجبهة اللبنانية، فيرى ياغي أنها الأكثر عرضة للتصعيد بين جميع الجبهات ومن المرجح أن يحصل نتنياهو على ضوء أخضر أمريكي لشن عمل عسكري محدود ومؤلم في لبنان، يكون الهدف منه هو اختبار قدرة حزب الله على التحمل دون رد.
وفي حال عدم رد الحزب، سيتم الانتقال إلى مرحلة الحلول الدبلوماسية الهادفة إلى سحب السلاح، لكن في حال رد الحزب، فإن السيناريو المتوقع هو تصاعد إقليمي واسع، خاصة وأن إيران لن تسمح بالقضاء على حليفها الاستراتيجي.
وبالنسبة للملف الإيراني، أشار ياغي إلى أن اللقاء سيقرر تأجيل جولة الحرب القادمة بين "إسرائيل" وإيران، وذلك لإتاحة المزيد من الوقت لممارسة الضغوط والمراقبة.
وأكد ياغي أن هذه الجولة العسكرية قادمة لا محالة وفي منظور قريب، وتحديداً قبل الانتخابات الإسرائيلية بفترة وجيزة، فالطرفان يتفقان على أن خطة ترامب لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية والارتكاز على مبدأ التزاوج بين الأمن والاقتصاد، يتناقض كلياً مع أي استقرار على الجبهة الإيرانية.
كما أكد على أن مُخرجات اللقاء ستكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ "عامل القوة"، حيث أن نتنياهو مدفوع بوضعه الشخصي والانتخابات القادمة، ويسعى إلى فرض أجندته التي تتطابق مع أجندة ترامب.
وشدد على أن نتنياهو لن يقبل بأي هدوء أو استقرار في المنطقة دون تحقيق ما يسميه "التغيير الجيوسياسي"، وهو إخضاع الدول المجاورة لإسرائيل، مما يعني أن المنطقة ستظل أسيرة لدوامة من عدم الاستقرار والتصعيد المستمر.
الاحتلال يختلق العقبات
ومن جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن الاحتلال يحاول استغلال ملف سلاح المقاومة في قطاع غزة ليكون العقبة الرئيسية أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار، مشدداً على أن حركة حماس مستعدة لمناقشة الملف ضمن إطار سياسي شامل وليس وفق الشروط "الإسرائيلية".
وقال عفيفة في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إن الاحتلال يعمل على أن يبقى موضوع سلاح المقاومة المعضلة الأساسية لعدم الانتقال للمرحلة الثانية، مبينًا أن الحركة أبدت مرونة كبيرة لنقاش هذه القضية مع الوسطاء بشكل كامل.
وأوضح أن النقاشات الجارية تركز على كيفية تجاوز هذه العقبة، مضيفاً أن المقاومة وحماس على وجه الخصوص "ليس لديها مانع من مناقشة هذا الملف، ولكن على قاعدة إيجاد حلول ومسارات سياسية، وليس وفق الشروط الإسرائيلية التي تدعو إلى البداية بنزع سلاح المقاومة".
وأشار عفيفة إلى أن المطلب "الإسرائيلي" بنزع السلاح أصبح "قناعة لدى كافة الأطراف، بما فيهم الأمريكيين، أنه لا يمكن أن ينجح أي مشروع يبدأ من نزع سلاح المقاومة". وأضاف أن الأوروبيين والأطراف العربية والوسطاء، وبعض الأصوات الأمريكية، يرون ضرورة أن يأخذ هذا المسار مداه السياسي، وأن يُناقش بشكل واقعي للوصول إلى حلول متوازنة.
ويأتي هذا التصريح في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية، التي تشمل قضايا شائكة مثل إعادة الإعمار، نشر قوة دولية، والانسحاب "الإسرائيلي"، مع إصرار الاحتلال على نزع سلاح حماس كشرط أساسي، فيما ترفض الحركة ذلك كبداية لأي تفاوض.
وكانت تقارير دولية أشارت مؤخراً إلى اقتراحات بديلة مثل "تجميد" استخدام السلاح مقابل هدنة طويلة الأمد، لكن المفاوضات لا تزال تواجه تعقيدات كبيرة حول هذا الملف الحساس.
