يأتي يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني، الذي يوافق الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول، في ظل واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ الصحافة الفلسطينية، حيث واصل الصحفيون عملهم الميداني تحت القصف، وبين الركام، وفي ظروف إنسانية وأمنية بالغة القسوة، لنقل صورة الواقع وتوثيق معاناة المدنيين خلال الحرب
وخلال الحرب، عمل الصحفيون الفلسطينيون في ظروف استثنائية، افتقدت لأدنى مقومات السلامة المهنية، حيث واجهوا القصف المباشر، وانقطاع الاتصالات والكهرباء، ونقص المعدات، واستهداف المنازل والمكاتب الإعلامية، فضلًا عن فقدان عشرات الزملاء وأفراد العائلات. ورغم ذلك، استمرت التغطية الميدانية، ونُقلت صور الدمار وشهادات الضحايا إلى العالم، في مسعى لكسر التعتيم المفروض على الواقع الإنساني في قطاع غزة.
حصيلة ثقيلة واستهداف ممنهج
وبحسب معطيات موثقة وتقارير متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، استُشهد 257 صحفيًا فلسطينيًا في قطاع غزة منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 56 صحفيًا خلال عام 2025 فقط، في ما اعتبره مختصون استهدافًا مباشرًا وممنهجًا لكل من يحمل الكلمة أو الكاميرا، ومحاولة واضحة لإفراغ الميدان من الشهود.
ويرى متابعون للشأن الإعلامي أن هذا العدد غير المسبوق من الشهداء يعكس طبيعة الحرب على الحقيقة، ويؤكد أن الصحفي الفلسطيني لم يكن ضحية جانبية، بل هدفًا مباشرًا، بسبب دوره في فضح الانتهاكات ونقل الصورة الحقيقية للرأي العام العالمي.
ياسين: الصحفي شهيد الحقيقة والإنسانية
وبدوره قال رئيس منتدى الإعلاميين الفلسطينيين محمد ياسين إن يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني يمثل محطة وطنية لتكريم من “قدموا أرواحهم شهداء وهم يؤدون واجبهم المهني والإنساني، حاملين الكاميرا والقلم درعًا لشعبهم”، مؤكدًا أن هؤلاء الصحفيين كانوا “شهودًا صادقين على الحقيقة، وكان صوتهم أعلى من القصف، وصدقهم أقوى من محاولات الطمس والتضليل”.
وأضاف ياسين، في حديث خاص لوكالة “شهاب” للأنباء، أن الشهيد الصحفي جسّد نموذجًا مهنيًا وأخلاقيًا مشرفًا، نقل معاناة شعبه إلى العالم دون تزييف أو مواربة، ودفع حياته ثمنًا لالتزامه بالحقيقة، مشددًا على أن دماء شهداء الصحافة “لم تذهب هدرًا، بل تحولت إلى شهادة حيّة تؤكد عدالة القضية الفلسطينية، وتُدين جرائم الاحتلال أمام العالم”.
وأوضح أن الاحتلال يستهدف الصحفي الفلسطيني على نحو متعمد، لأنه يفضح روايته الزائفة، ويكسر احتكاره للصورة والخبر، وينحاز للإنسانية وحقوق الضحايا، الأمر الذي جعله هدفًا مباشرًا للقنص والاغتيال والاستهداف الممنهج.
وفي هذا السياق، شدد ياسين على ضرورة توفير حماية دولية حقيقية للصحفيين العاملين في مناطق النزاع، داعيًا إلى محاسبة الاحتلال على جرائمه بحق الإعلاميين، ومحذرًا من أن استمرار سياسة الإفلات من العقاب يشجع على المزيد من الانتهاكات ويشكل تهديدًا خطيرًا لحرية الصحافة عالميًا.
واختتم ياسين بالتأكيد على أن الوفاء لشهداء الصحافة لا يكون فقط بإحياء ذكراهم، بل بمواصلة رسالتهم، قائلًا: “نعاهد شهداء الصحافة أن تبقى الحقيقة حيّة، وأن تبقى الكلمة أقوى من الرصاصة، مهما بلغت التضحيات”.
فارس الحقيقة
بدوره، أشاد نقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد طالب ولد المعلوم بالبطولات التي سطرها الإعلاميون الفلسطينيون خلال أكثر من عامين من الحرب على قطاع غزة، مؤكداً أنهم “قدموا أرواحهم ثمناً لنقل الحقيقة إلى العالم”.
وقال ولد المعلوم في تصريح خاص لوكالة “شهاب” للأنباء، إن “من واجبنا كإعلاميين وصحفيين أن نرفع القبعة احتراماً للصحفيين الفلسطينيين الذين سطروا أروع البطولات من أجل نقل الحقيقة، رغم الحرب الهمجية التي شنها جيش الاحتلال على غزة”. وأضاف أن آلة القتل والتدمير والترهيب لم تثن الصحفي الفلسطيني عن أداء واجبه في بيئة بالغة الخطورة، مشيراً إلى أن العديد منهم دفعوا حياتهم ثمناً لهذا الالتزام.
ودعا ولد المعلوم إلى الوقوف إجلالاً وتقديراً لهؤلاء “الأبطال”، متضرعاً إلى الله أن يتغمد الشهداء بواسع رحمته ويمن على الجرحى بالشفاء العاجل، مؤكدًا أن الصحفي الفلسطيني نجح في ملء الفراغ الإعلامي الدولي الذي حاول الاحتلال خلقه عبر تكميم الأفواه ومنع الصحفيين الأجانب من الوصول إلى الميدان، بهدف حجب الحقيقة وإخفاء ما يجري من تدمير وقتل وتطهير عرقي بحق سكان غزة.
وختم نقيب الصحفيين الموريتانيين حديثه بالقول: “ظل الصحفي الفلسطيني مرابطاً على الثغور ينقل الحقيقة أولاً بأول، فاستحق بجدارة أن يكون فارس تغطية هذه الحرب الهمجية التي لم تبقِ ولم تذر”، في إشارة إلى التضحيات الهائلة التي قدمها الإعلاميون الفلسطينيون منذ بدء العدوان، حيث استُشهد 257 صحفياً في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، بينهم 56 صحفيًا خلال عام 2025 فقط، في استهداف مباشر لكل من يحمل الكلمة أو الكاميرا.
