تقرير – شهاب
لم تكن الرصاصة التي استقرت في جسد المهندس أنس عبدالفتاح قبل ثلاثة أعوام مجرد إصابة عادية في سجل الأحداث الأمنية، حيث ظلت ترافقه يومًا بعد يوم، حتى أعلن ارتقائه شهيدًا بعد معركة طويلة مع الألم والمضاعفات الصحية، لتفتح ملفًا ثقيلًا من السجل الإجرامي لأجهزة أمن السلطة بالضفة الغربية.
استشهاد أنس، الذي أصيب برصاص أجهزة أمن السلطة الفلسطينية في مدينة نابلس قبل ثلاثة أعوام، أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية وجدلاً في المشهد الفلسطيني الداخلي، حيث تختلط الأسئلة الحقوقية بالأمنية، وتتقاطع المطالب بالمحاسبة مع واقع الإفلات من العقاب.
في تفاصيل الحادثة، أُصيب المهندس أنس عبدالفتاح عندما أطلقت أجهزة أمن السلطة الرصاص عليه خلال قمع مسيرة بمدينة نابلس رفضًا لاعتقال المطارد مصعب اشتية، ما أدى إلى إصابته إصابة بالغة أدخلته في رحلة علاج شاقة، تنقّل خلالها بين المستشفيات، وخضع لسلسلة عمليات جراحية، دون أن يتمكن من استعادة حياته الطبيعية.
ومنذ ذلك الحين، خضع لأكثر من 24 عملية جراحية داخل فلسطين وخارجها، وتنقّل بين المستشفيات على كرسي متحرك، معتمدًا على المسكنات الثقيلة، في وقت امتنع فيه الجهات الرسمية عن استكمال علاجه أو صرف حقوقه الطبية والمالية.
وأفادت مصادر عائلية أن الشهيد كان يرقد في العناية المكثفة بعد إصابته بجلطة رئوية حادة أثناء خضوعه لعملية جراحية، في ظل تدهور كبير في وضعه الصحي نتيجة سنوات من الألم والإهمال وغياب الرعاية اللازمة.
وفي بيان سابق، حمّل أنس عبد الفتاح السلطة الفلسطينية المسؤولية الكاملة عن تدهور وضعه الصحي، متهمًا إياها بالإهمال وحرمانه من حقه في العلاج، إضافة إلى ممارسة ضغوط وتهديدات على جهات إنسانية حاولت التكفل بعلاجه في الأردن.
وعلى مدار ثلاثة أعوام، عاش أنس تحت وطأة مضاعفات صحية مستمرة، رافقها تدهور تدريجي في وضعه الجسدي، إلى أن أُعلن عن استشهاده متأثرًا بإصابته، في مشهد أعاد الألم لعائلته، وأثار موجة واسعة من الغضب والأسى في الشارع الفلسطيني.
شاهد على غياب العدالة
عائلة الشهيد تؤكد أن نجلها لم يكن طرفًا في أي نشاط مسلح، وأن إصابته جاءت نتيجة إطلاق نار مباشر خلال عملية أمنية، مطالبة بفتح تحقيق شفاف ومستقل، يحدد المسؤوليات، ويضع حدًا لسنوات من الصمت الرسمي.
كما قالت العائلة إن معاناة أنس لم تكن صحية فقط، بل نفسية أيضًا، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية، أو اعتراف بالمسؤولية، أو إنصاف قانوني، ما حوّل إصابته إلى جرح مفتوح لم يندمل حتى بعد استشهاده.
وأعاد استشهاد أنس عبدالفتاح تسليط الضوء على سجل طويل من الاتهامات الموجهة لأجهزة أمن السلطة بارتكاب انتهاكات، تشمل الاستخدام المفرط للقوة، وإطلاق النار في سياقات غير قتالية، واعتقالات تعسفية، وسط تقارير حقوقية محلية ودولية تتحدث عن ضعف آليات المحاسبة.
ويرى حقوقيون أن استمرار غياب التحقيقات الجدية في مثل هذه القضايا يشجع على تكرارها، ويقوّض ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، ويضعف النسيج المجتمعي في مرحلة تتطلب أعلى درجات الوحدة في مواجهة الاحتلال.
في المقابل، تؤكد السلطة الفلسطينية مرارًا التزامها بسيادة القانون، وضرورة فرض النظام، وملاحقة الخارجين عن القانون، غير أن مراقبين يشددون على أن تحقيق الأمن لا يمكن أن يكون على حساب الحق في الحياة، ولا يبرر استخدام القوة المميتة خارج إطار الضرورة القصوى.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا النهج يفاقم حالة الاحتقان الشعبي، ويخلق فجوة متزايدة بين الشارع الفلسطيني والأجهزة الأمنية، في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية تحديات مصيرية على المستويين السياسي والميداني.
انتهاكات متواصلة لأجهزة السلطة
وفي تعليقها على استشهاد أنس عبد الفتاح، حمّلت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية المسؤولية الكاملة والمباشرة عن وفاته، معتبرةً أن ما جرى لا يقتصر على حادثة إطلاق نار، بل يشكّل جريمة مركّبة امتدت لسنوات من الإهمال وحرمانه المتعمد من العلاج والرعاية.
وأشارت اللجنة إلى أن عبد الفتاح أُصيب إصابة بالغة أدت إلى شلل نصفي دائم عقب إطلاق النار عليه خلال قمع مسيرة شعبية في مدينة نابلس في أيلول/سبتمبر 2022، خرجت احتجاجًا على اعتقال المطارد مصعب اشتية، في سلوك يعكس نهجًا خطيرًا في تعامل الأجهزة الأمنية مع أبناء الشعب الفلسطيني.
وبحسب ما ورد، عاش عبد الفتاح سنواته الأخيرة في معاناة صحية قاسية، متنقلًا بين مستشفيات داخل فلسطين وخارجها، وخاضعًا لأكثر من 24 عملية جراحية، ومعتمدًا على المسكنات الثقيلة، في وقت امتنعت فيه الجهات الرسمية عن استكمال علاجه، ورفضت صرف حقوقه الطبية والمالية كجريح.
وأكدت اللجنة أن الشهيد كان قد حمّل السلطة بنفسه، في تصريحات سابقة، المسؤولية الكاملة عن تدهور وضعه الصحي، بعد حرمانه من العلاج، وعرقلة محاولات جهات إنسانية التكفل بعلاجه خارج البلاد، عبر ضغوط وتهديدات مباشرة، ما يرقى إلى جريمة أخلاقية وقانونية مكتملة الأركان.
وشددت على أن استشهاد أنس عبد الفتاح، المعروف بنشاطه الوطني والديني، وكونه من أوائل المعتكفين في المسجد الأقصى المبارك، لا يمكن فصله عن سياسات القمع والتغوّل الأمني والإفلات من العقاب، التي يدفع ثمنها المواطنون الفلسطينيون، في وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لعدوان الاحتلال المتواصل.
ودعت اللجنة المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية إلى فتح تحقيقات مستقلة وجدية لمحاسبة جميع المتورطين في جريمة إصابته وحرمانه من العلاج حتى استشهاده، كما ناشدت الشارع الفلسطيني مواصلة الضغط الشعبي لوقف الاعتقالات السياسية، وإنهاء سياسات القمع والتنسيق الأمني، وصون كرامة الفلسطينيين ودماء شهدائهم.
ومن جانبها، نعت الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية إلى جماهير الشعب الفلسطيني، استشهاد المهندس أنس عبد الفتاح، الذي ارتقى بعد ثلاثة أعوام من المعاناة مع الشلل، جراء إصابته برصاص أجهزة أمن السلطة الفلسطينية خلال مسيرات الاحتجاج الشعبية المنددة بملاحقة واعتقال المقاومين.
وأشارت الكتلة إلى أن الشهيد أنس قدّم نموذجًا للشاب الصابر المحتسب في مواجهة الألم والإهمال، بعد حرمانه من أبسط حقوقه الطبية والإنسانية، وتركه وحيدًا يصارع آثار إصابته، في ظل تنصل السلطة الفلسطينية من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه علاجه ورعايته.
وأكدت الكتلة، أن دماء الشهداء ومعاناة الجرحى ستبقى أمانة في أعناق الأحرار، وأن سياسات القمع والتضييق على الأصوات الحرة لن تنجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو طمس الحقيقة.
شهداء برصاص أجهزة السلطة
ارتفعت حصيلة الشهداء الذين قضوا برصاص أجهزة السلطة في الضفة الغربية إلى 23 شهيدًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، في محافظات متفرقة، وسط تصاعد لافت في وتيرة الانتهاكات واستخدام القوة المميتة بحق المواطنين، وغياب أي مؤشرات على محاسبة أو تحقيقات شفافة.
وبحسب توثيقات ميدانية وحقوقية، تركزت غالبية الحالات في محافظة جنين، إلى جانب محافظات رام الله، وطوباس، وطولكرم، في سياق يعكس نمطًا متكررًا من القمع الأمني بحق مواطنين، بينهم جرحى ومشاركون في فعاليات شعبية.
وفي محافظة جنين، ارتقى كل من:
رزان تركمان (17/10/2023)، فراس تركمان (21/10/2023)، أحمد هاشم عبيدي (1/1/2024)، محمد عرسان (23/3/2024)، أحمد البالي (13/7/2024)، ربحي الشلبي (9/12/2024)، يزيد جعايصة (14/12/2024)، محمد عماد العامر (14/12/2024)، مجد زيدان (23/12/2024)، محمد أبو لبدة (24/12/2024)، الصحفية شذى الصباغ (28/12/2024)، محمود الجلقموسي (3/1/2025)، قسم الجلقموسي (3/1/2025)، سائدة محمد أبو بكر (9/1/2025)، محمد شادي الصباغ (23/1/2025)، وعبد الرحمن أبو المنى (10/3/2025).
وفي محافظة رام الله، استشهد محمود أبو لبن بتاريخ 25/10/2023.
أما في محافظة طوباس، فقد ارتقى الشهيد محمد صواطفة في 28/10/2023، فيما استشهد رامي زهران من مخيم الفارعة بتاريخ 13/5/2025.
وفي محافظة طولكرم، سُجّل استشهاد كل من معتصم العارف (2/4/2024)، أحمد أبو الفول (1/5/2024)، ومحمد أحمد الخطيب (25/5/2024).
وفي محافظة نابلس، استشهد المهندس أنس عبد الفتاح بتاريخ 26/12/2025، متأثرًا بإصابته السابقة.
وتأتي هذه القائمة في ظل تصاعد وتيرة الأحداث الميدانية في الضفة الغربية، وسط مطالبات حقوقية وشعبية بوقف الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وحماية المدنيين وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
