تقرير – شهاب
في خطوة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار، أقدمت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” على فصل مئات الموظفين من أبناء قطاع غزة، معظمهم من العاملين في قطاعي التعليم والخدمات، ممن كانوا متواجدين خارج القطاع في إجازات استثنائية فرضتها ظروف الحرب المستمرة، في قرار فصل تعسفي جماعي يفتقر للعدالة والبعد الإنساني.
وجاء القرار في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، حيث فقد عشرات الآلاف مصادر دخلهم، وتعرضت البنية الاجتماعية والاقتصادية لانهيار شبه كامل بفعل الحرب والحصار، ورغم ذلك، اختارت الأونروا تحميل الموظفين ثمن الأزمة المالية التي تمر بها، بدل البحث عن بدائل تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي والإنساني.
وبحسب معطيات اتحاد الموظفين، فإن القرار شمل مئات الموظفين دفعة واحدة، دون مراعاة لسنوات خدمتهم، أو للظروف القهرية التي حالت دون عودتهم إلى أماكن عملهم داخل القطاع.
وخلال حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، غادر نحو 600 موظف يعملون في أونروا القطاع متجهين إلى مصر وعدد من الدول العربية والأوروبية، بحثاً عن النجاة برفقة عوائلهم أو بهدف تلقي العلاج، ولم يتمكن هؤلاء من العودة بسبب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر الحدودية، واستمرار إغلاق معبر رفح البري.
وبحسب بيانات أونروا، يبلغ عدد موظفيها في قطاع غزة نحو 12 ألف موظف يعلمون في مختلف المجالات التعليمية والإغاثية والخدمية، واستمر آلاف منهم في تقديم الخدمات بظل حرب الإبادة على القطاع.
ويرى مختصون أن قرار الفصل لا ينعكس فقط على الموظفين المفصولين، حيث يهدد أيضًا مستقبل الخدمات التي تقدمها الأونروا، خاصة في قطاع التعليم، ويعمّق حالة الفقر وانعدام الأمان الاجتماعي في مجتمع يعاني أصلًا من صدمات الحرب والنزوح والجوع.
فصل تعسفي وإعدام وظيفي
بدوره عبّر اتحاد الموظفين العرب في "الأونروا" عن رفضه لهذه الإجراءات، معتبراً أنها تمسّ بالأمن الوظيفي لآلاف العاملين.
كما وصف الاتحاد القرار بأنه “إعدام إداري ممنهج”، مؤكدًا أن الموظفين لم يغادروا القطاع بإرادتهم، بل اضطروا لذلك هربًا من القصف والحصار، وبالتنسيق مع إدارة الوكالة في حينه.
وقال الاتحاد في بيان له إن ما جرى يشكّل خرقًا واضحًا لقوانين العمل الدولية، ويتنافى مع القيم التي تأسست عليها الأونروا كوكالة أممية وُجدت لحماية اللاجئ الفلسطيني لا معاقبته. وطالب الاتحاد بإلغاء قرارات الفصل فورًا، وإعادة الموظفين إلى عملهم، وصرف مستحقاتهم كاملة دون انتقاص.
كما حذّر من أن تجاهل مطالب الموظفين سيدفع نحو تصعيد نقابي مفتوح، في ظل شعور واسع بالظلم وفقدان الثقة بإدارة الوكالة.
وكان الاتحاد، طالب في اعتصام نظمه في 18 كانون أول/ ديسمبر الماضي، إدارة الوكالة والأمم المتحدة والدول المانحة بتحمل مسؤولياتها، والعمل العاجل على توفير تمويل مستدام يضمن استمرار خدمات الأونروا وحماية حقوق موظفيها.
وكانت "الهيئة 302 لحماية حقوق اللاجئين" قد حذرت من أن "الأونروا" تمرّ في أخطر مرحلة منذ تأسيسها عام 1949، محمّلة مفوضها العام لازاريني مسؤولية ما وصفته بـ"الانحدار غير المسبوق" في أداء الوكالة ودورها.
وقالت الهيئة، إن "التاريخ سيسجل أن أسوأ مرحلة مرت بها الأونروا هي تلك التي ترأس فيها لازاريني إدارة الوكالة لفترتين متتاليتين (2020–2026)"، مشيرة إلى أن قرارات اتُّخذت خلال ولايته "أضرت بالوكالة وموظفيها واللاجئين، وتقاطعت مع الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأمريكية والاحتلال تجاه مستقبل الوكالة".
وأضافت الهيئة أن المؤشرات الحالية "تدل – للأسف – على أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر سوءًا، ما لم تحدث مفاجآت تعيد الوكالة تدريجيًا من حافة الهاوية".
قرارات لتصفية الوكالة
ومن جانبه، قال المختص في شؤون الأونروا سامي مشعشع إن هذه الخطوة تمثل "إجراءً يتجاوز الإطار الإداري"، معتبرًا أنها تندرج ضمن "سلسلة قرارات متسارعة تستهدف تفكيك الوكالة من الداخل، تحت مبررات مالية، وبما ينسجم مع ضغوط سياسية متواصلة على دور الأونروا".
وأضاف مشعشع أن هذا القرار يُعد الثالث منذ مطلع عام 2026، بعد قرارات سابقة شملت تخفيض رواتب الموظفين إلى نحو 20% عقب إلغاء احتساب فروقات العملة، إلى جانب خصخصة خدمات حراسة مقار الأونروا في العاصمة الأردنية عمّان.
وأشار إلى أن الإدارة أرفقت قرارات إنهاء الخدمات بوعود بعقد اجتماعات مع المتضررين والبحث عن فرص عمل بديلة، إلا أن هذه الوعود "لم تتجاوز إطار العلاقات العامة، ولم تقدّم حلولًا حقيقية للموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم".
وحذّر مشعشع من احتمال اتساع دائرة الاستهداف لتشمل موظفي الأونروا في الضفة الغربية، خاصة بعد إغلاق مقر رئاسة الوكالة في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، وإعادة توزيع عدد كبير من الموظفين على مكاتب فرعية.
كما انتقد موقف الاتحاد العام للعاملين في الأونروا، معتبرًا أن الاكتفاء ببيانات الشجب دون خطوات تصعيدية “لا يرقى إلى مستوى خطورة المرحلة”، داعيًا إلى تحركات نقابية أكثر فاعلية في مواجهة هذه القرارات.
كارثة إنسانية جديدة
ومن جانبه، أعرب مركز "حماية" لحقوق الإنسان عن إدانته الشديدة واستنكاره القاطع لقرار وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بإنهاء عقود نحو 600 موظف في قطاع التعليم، معظمهم موجودون خارج قطاع غزة، خاصة في جمهورية مصر العربية، بشكل فوري، مع تحديد 17 يناير 2026 موعداً نهائياً لإكمال إجراءات التخليص.
يأتي هذا القرار بعد وضع هؤلاء الموظفين على "إجازة استثنائية في مصلحة الوكالة" لمدة تصل إلى 12 شهراً، بدءاً من 1 مارس 2025، في ظل الظروف الاستثنائية التي دفعتهم لمغادرة غزة بحثاً عن الأمان جراء الحرب المستمرة.
ووصف المركز القرار بأنه "خرق صريح لأبسط مبادئ العدالة وحقوق العاملين"، مشيراً إلى أنه يمثل انتهاكاً فادحاً لمبدأ الاستقرار الوظيفي والحماية من الفصل التعسفي.
وأكد أن إحالة الأونروا السبب إلى أزمتها المالية لا يبرر تحميل الموظفين تبعات إخفاقات التمويل الدولي، محذراً من تحويل الأزمة المالية إلى "كارثة إنسانية" على عائلات هؤلاء الموظفين.
كما ربط المركز القرار بالسياق الإنساني الكارثي، موضحاً أن هؤلاء الموظفين فروا قسراً من غزة هرباً من الدمار، ليواجهوا الآن قراراً يزيد من هشاشتهم ويعمق جراحهم، معتبراً ذلك "استغلالاً صارخاً لوضعهم الضعيف".
وأبرز المركز التأثير الأوسع للقرار، الذي يتجاوز الأزمة الشخصية ليصل إلى تهديد حق ملايين الأطفال الفلسطينيين في التعليم، حيث يعني فصل هذه الكوادر المتخصصة شل قدرة الوكالة على إعادة بناء العملية التعليمية في غزة بعد الحرب.
وطالب مركز "حماية" بالتراجع الفوري وغير المشروط عن القرار والحفاظ على حقوق الموظفين، وفتح تحقيق مستقل تحت إشراف هيئات الأمم المتحدة لفحص الظروف والتوافق مع القانون الدولي، وتحميل إدارة الأونروا والجهات المانحة المسؤولية عن التداعيات.
ودعا المركز المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية للضغط على الوكالة لوقف هذا "الانحراف عن مهامها الإنسانية"، محذراً إدارة الأونروا من أن أي خرق لحقوق اللاجئين ومن يخدمونهم يقوض شرعيتها الدولية.
وتعاني المؤسسة الأممية من ضائقة مالية كبرى نتيجة توقف الولايات المتحدة عن تمويلها، إذ تعتبر الممول الأكبر لأنشطتها بمبلغ 350 مليون دولار أميركي. وقد اتجهت المنظمة على مدار السنوات الماضية، للاعتماد على التمويل العربي وعدد من الدول الأخرى.
وفي 5 ديسمبر/كانون الأول الماضي، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تمديد ولاية أونروا لمدة ثلاثة أعوام، في خطوة اعتبرتها المؤسسة دليلاً جديداً على اتساع قاعدة التضامن الدولي مع اللاجئين الفلسطينيين.
وكانت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، قد صعدت في العامين الماضيين من حملتها ضد "أونروا" بزعم انتماء عدد من موظفيها إلى فصائل المقاومة الفلسطينية.
كما أقرّ الكنيست الإسرائيلي، في 28 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، مشروع قانون يحظر عمل الوكالة داخل الكيان، فيما ادّعى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "موظفي أونروا متورطون في أعمال إرهابية"، متعهداً بـ"ضمان أمن إسرائيل" عبر منع نشاط الوكالة.
