حذّر الصحفي والمحلل السياسي الفلسطيني فايد أبو شمالة من أن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في فنزويلا لا يمكن التعامل معه كحدث عابر أو محصور في رقعة جغرافية بعينها، مؤكدًا أن دلالاته تتجاوز أمريكا اللاتينية لتطال الأمن والسلم العالميين برمتهما.
واعتبر أبو شمالة أن السياسات الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب كشفت عن نزعة عدوانية خطيرة، تجعل من الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا للاستقرار الدولي، وتفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية قد تصل إلى اندلاع حرب نووية شاملة.
وأوضح أبو شمالة أن الإدارة الأمريكية، في ظل أزماتها الداخلية المتراكمة، تحاول الهروب إلى الأمام عبر مشاريع توسعية وحروب عبثية، تقوم على نهب ثروات الدول الأخرى وفتح آفاق استعمارية جديدة، بدلًا من معالجة مشكلاتها البنيوية.
وأضاف أن العالم بات اليوم على شفا المجهول، وأن الصمت الدولي إزاء هذا النهج يشكل تواطؤًا غير مباشر يهدد مستقبل البشرية جمعاء.
وفي هذا السياق، طرح أبو شمالة ثلاث خطوات عاجلة يرى أنها ضرورية لكبح جماح الطغيان الأمريكي ومنع انزلاق العالم نحو الفوضى الشاملة.
أولًا: نقل مقرات الأمم المتحدة خارج الولايات المتحدة
دعا أبو شمالة إلى موقف دولي عملي يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، يتمثل في نقل مقر الأمم المتحدة ومؤسساتها الرئيسية من الولايات المتحدة بشكل فوري وعاجل. وأكد أن من غير المقبول استمرار استضافة دولة ذات طموحات استعمارية وتوسعية للمؤسسة الدولية الأهم، والتي يفترض أن تكون مرجعية للنظام العالمي وحامية للقانون الدولي.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع الأمم المتحدة كأداة لخدمة سياساتها، لا كمنظمة مستقلة، مستشهدًا بمنعها وفودًا وزعماء من المشاركة في اجتماعات دولية، كما حدث مع الوفد الفلسطيني في الجمعية العامة، وسحبها التأشيرة من رئيس كولومبيا، فضلًا عن اضطرار بعض القادة، مثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلى التغيب عن اجتماعات الأمم المتحدة بسبب علاقاتهم المتوترة مع واشنطن.
وأكد أبو شمالة أن هذا الواقع يفرغ المنظمة الدولية من مضمونها، ويجعلها عاجزة عن تنفيذ قراراتها أو ردع الدول المنتهكة للقانون الدولي. واقترح أن يكون المقر الجديد للأمم المتحدة في دولة ذات وضع محايد وإمكانات مناسبة، مثل تركيا أو السعودية أو ماليزيا، مع إمكانية توزيع مؤسسات المنظمة على أكثر من دولة، بما يعزز استقلاليتها ويحد من الهيمنة الأمريكية عليها.
ثانيًا: فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على الولايات المتحدة
ورأى أبو شمالة أن الوقت قد حان لقلب المعادلة التقليدية في العلاقات الدولية، عبر فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على الولايات المتحدة، رغم غرابة هذا الطرح في نظر الكثيرين. وأوضح أن واشنطن تستغل علاقاتها الدولية لبناء شبكات تجسس واسعة النطاق، لا تفرق بين الحليف والعدو، مستدلًا بما كُشف عن نشر مئات العناصر الأمريكية في العاصمة الفنزويلية كراكاس قبيل محاولة اختطاف الرئيس مادورو، ضمن خطة محكمة لضمان نجاح العملية.
وأكد أن العالم قادر على الاستغناء عن الولايات المتحدة، في حين أن الولايات المتحدة عاجزة عن العيش بمعزل عن العالم، مشددًا على أن فرض عزلة حقيقية عليها سيدفعها حتمًا إلى التراجع عن سياساتها العدوانية، والعودة إلى احترام القانون الدولي، وسيادة الدول، ومؤسسات حفظ السلم العالمي، والكف عن العبث في الشؤون الداخلية للدول ونهب مواردها.
ثالثًا: تحصين قوة الردع الدولي
أما الخطوة الثالثة، فتمثلت – بحسب أبو شمالة – في ضرورة تحصين قوة الردع الدولي، في ظل عجز الأسلحة التقليدية عن مواجهة التفوق العسكري الأمريكي. واعتبر أن هذا التفوق هو ما يدفع الإدارة الأمريكية إلى التباهي بقدرتها على “فعل ما تشاء”، كما حدث في الهجمات على منشآت إيرانية، ومحاولة اختطاف الرئيس الفنزويلي، وعمليات عسكرية خاطفة في مناطق مختلفة من العالم.
وفي هذا الإطار، أشار أبو شمالة إلى تصريحات الرئيس الروسي السابق ديميتري ميدفيديف، التي أكد فيها أن السلاح النووي وحده هو الضامن الحقيقي لسيادة الدول، متسائلًا عما إذا كان ذلك يعني اندفاع عدد متزايد من الدول نحو امتلاك السلاح النووي كوسيلة دفاعية. ولفت إلى أن هذا السباق المحتمل قد يشمل دولًا مثل إيران وتركيا والسعودية، وربما مصر واليابان وإندونيسيا والبرازيل، وغيرها، في محاولة لحماية مصالحها وسيادتها ومستقبل أجيالها.
وأكد أن هذا التحصين بات ضرورة لا خيارًا، في ظل تصريحات أمريكية وإسرائيلية علنية تعكس نزعات توسعية واضحة، تستند إلى منطق القوة الغاشمة وأيديولوجيات استعمارية متعفنة، على حد تعبيره.
عالم على حافة الانفجار
وفي خلاصة تحليله، شدد فايد أبو شمالة على أن صمت العالم إزاء حرب الإبادة في غزة، والعربدة الصهيوأمريكية في الشرق الأوسط، شجع الولايات المتحدة على توسيع دائرة عدوانها باتجاه أمريكا اللاتينية، وتهديد أوروبا، والإعلان عن نوايا للسيطرة على غرينلاند وكندا، ومهاجمة كوبا وكولومبيا والمكسيك، تحت شعار “جعل أمريكا عظيمة مجددًا”.
وأكد أن العالم دخل مرحلة جديدة تتكشف فيها نوايا توسعية استعمارية ممنهجة للولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد مجرد أفكار نظرية، بل خططًا يتم تنفيذها تدريجيًا، في ظل انقسام دولي حاد، وانشغال القوى الكبرى بصراعات مفتعلة في محيطها الحيوي، من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية.
وفي نهاية حديثه، شدد أبو شمالة على أن هذه المرحلة الخطيرة تتطلب تكاتفًا عالميًا حقيقيًا، يتجاوز الحسابات الضيقة، لمنع الانهيار الشامل والانزلاق نحو حرب نووية مدمرة “لا تبقي ولا تذر”، تهدد وجود الإنسانية جمعاء.
