لم يعد ملف إغاثة النازحين وأهالي قطاع غزة شأناً إنسانياً بحتاً، بل تحول تدريجياً إلى ساحة تداخل بين السياسة والاقتصاد، حيث تُدار المساعدات كأداة ضغط، وتُطرح إعادة الإعمار بوصفها فرصة استثمارية.
وبينما يبحث مئات الآلاف من الغزيين عن مأوى ودواء، تتحرك خلف الكواليس شركات ومقاولون ومسارات لوجستية لرسم ملامح ما يُسمّى بـ “اليوم التالي”.
هذا التحول يعكس نشوء ما يُعرف بـ اقتصاد الإغاثة أو خصخصة المساعدات، حيث تُزال عن العمل الإنساني طبيعته المحايدة، ويُعاد توظيفه ضمن ترتيبات سياسية، أمنية، واقتصادية.
وبينما تُقدّر كلفة إعادة الإعمار بعشرات المليارات، تُدار المساعدات وفق منطق التحكم والاختناق، لا وفق منطق الاستجابة للاحتياجات.
إغاثة مسيسة
ويرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن الملف الإنساني يتم دفعه نحو إطار سياسي–اقتصادي مُسيَّس، حيث تُربط المساعدات بمحددات “اليوم التالي”، وتشمل شروطًا أمنية، وهياكل إدارية متعددة، وآليات مثل تعهدات مقاولين ورسوم مرور الشاحنات، ما يحوّل الإغاثة إلى منظومة جباية وتمويل وتعاقدات وليس مجرد استجابة طارئة.
ويشير في تصريح خاص لوكالة شهاب، إلى أن الدور الأمريكي يتجاوز الحياد الإغاثي، إذ يُصمم آليات توزيع بديلة خارج منظومة الأمم المتحدة، مع تصورات تُقارب غزة كـ “مشروع إدارة لوجستية” له بعد استثماري من خلال مقاول رئيسي، ما يفتح باب العوائد والرسوم والتعاقدات، في شكل أقرب إلى استثمار نتائج الحرب الكارثية.
ويؤكد عفيفة أن هذا يفسر تنافس شركات أمريكية على عقود غزة في سياق “إنساني”، حيث أصبح “الإنساني” بوابة سوق ضخمة، خصوصًا مع تقديرات الأمم المتحدة لتكلفة الإعمار بعشرات المليارات، وغياب ضمانات سيادية فلسطينية واضحة، مما يجعل المدخل عبر عقود الخدمات واللوجستيات والأمن الخاص والتوزيع والإسكان المؤقت.
ويضيف أن الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية تُهمش لصالح الشركات والمقاولين لأسباب متداخلة:
سياسي/أمني: آليات توزيع تتحكم بها ترتيبات ميدانية ومناطق نفوذ، مع اعتراض أو تقويض منظومة الأمم المتحدة.
تشغيلي/اقتصادي: نموذج المتعهد الرئيسي/المقاول الذي يسهل التحكم والرقابة والتمويل، حتى لو تعارض مع مبادئ الحياد والاستقلال.
ويختم عفيفة بأن أي إعادة إعمار دون حضور فلسطيني أو رقابة دولية تظل “إعمارًا مشروطًا” وقابلة للتعطيل، إذ تُستخدم القيود على الحركة والبضائع والمعابر كأدوات ضغط سياسي وابتزاز تفاوضي، وتؤثر مباشرة على دخول مواد البناء والوقود والمعدات وسلاسل التوريد.
المساعدات أداة اختناق
المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أكد أن واقع المساعدات يعكس سياسة اختناق مُدار لا خللاً إنسانياً طارئاً، فبينما نصت تفاهمات وقف إطلاق النار على دخول أكثر من 37 ألف شاحنة خلال شهرين، دخل فعلياً نحو 14.5 ألف شاحنة فقط، بفارق يقارب 61%، ما يشير إلى سياسة تقليص مقصودة تتحكم في مستوى الاستهلاك وتمنع أي تعافٍ ذاتي للاقتصاد المحلي.
ويضيف أبو قمر أن التحكم يمتد إلى نوعية المساعدات، إذ يُسمح بإدخال سلع منخفضة القيمة الغذائية بينما تُمنع المواد الأساسية والمستلزمات الإنتاجية وقطع الغيار، ما يؤدي عمليًا إلى تعطيل دورة الإنتاج والاستهلاك معاً، وإبقاء السكان في حالة اعتماد دائم على المساعدات.
وفيما يخص الإعمار، يرى أن التقديرات الدولية الضخمة، رغم أهميتها النظرية، لا تتحقق على الأرض في ظل السيطرة على المعابر وسلاسل التوريد، ما يحول إعادة الإعمار إلى ورقة تفاوضية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، بلا أثر تنموي حقيقي، ويعمّق تبعية الاقتصاد الغزي ويُفرغ الإعمار من مضمونه.
ما يجري في غزة اليوم يوضح كيف يمكن للحرب أن تتحوّل إلى أداة سياسية واقتصادية، وكيف تُستخدم المساعدات الإنسانية في اقتصاد الحرب وخصخصة الإغاثة.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيشهد الغزيون اليوم التالي بمعناه الإنساني، أم ستستمر الحرب في استثمار حياتهم ومواردهم تحت غطاء الإغاثة؟
