قال الإعلامي الفلسطيني عماد الإفرنجي إن استشهاد أكثر من 257 صحفيًا فلسطينيًا منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة يمثل "خسارة كارثية ومصيبة عظيمة على المستوى الإنساني"، مؤكدًا أن فقدان صحفي واحد يُعد خسارة فادحة، فكيف باستهداف هذا العدد الكبير من الإعلاميين الذين كانوا في الصفوف الأمامية لنقل الحقيقة.
وأضاف الإفرنجي، في حوار صحفي خاص مع وكالة "شهاب" في يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني، أن دماء الصحفيين الشهداء، وبرغم الألم والفقد، منحت الرواية الفلسطينية مصداقية غير مسبوقة، ورسّخت أسماءهم في سجل الخالدين، بوصفهم رموزًا ونماذج ملهمة ليس فقط للشعب الفلسطيني، بل لأحرار العالم كافة، مشددًا على أن هؤلاء الصحفيين باتوا أيقونات للجرأة والشجاعة والانحياز للحقيقة.
"عنوان هزيمة للاحتلال"
وأوضح أن الصحفيين الفلسطينيين كانوا يدركون تمامًا حجم المخاطر التي تحيط بهم، بما في ذلك التهديدات المباشرة واستهداف عائلاتهم، ومع ذلك لم يتراجعوا خطوة واحدة، بل واصلوا عملهم في الخطوط الأولى، بكاميراتهم وأقلامهم وأصواتهم، حتى اللحظة الأخيرة.
وأكد أن مقولة "سنكتب لفلسطين بدمائنا" لم تكن شعارًا دعائيًا، بل تحولت إلى واقع ملموس دفع فيه الصحفيون أثمانًا باهظة، وصولًا إلى الاستشهاد.
ووصف الإفرنجي مشاهد قتل الصحفيين الفلسطينيين على الهواء مباشرة بأنها "عنوان هزيمة للاحتلال"، وفي الوقت ذاته "عنوان جريمة وخزي لعالم صامت"، معتبرًا أن هذا الصمت يعكس انحيازًا فاضحًا للجلاد، ويكشف زيف الشعارات المتعلقة بحرية الصحافة والقيم الإنسانية.
وأشار إلى أن ما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون، لو حدث في أي دولة أخرى، "لقامت الدنيا ولم تقعد»، إلا أن الواقع يبرهن، بحسب قوله، على وجود معايير مزدوجة، حيث تُجزّأ الحريات، وتُسقط القيم عندما يكون الضحية فلسطينيًا.
واعتبر أن الاستهداف المباشر للصحفيين دليل على حجم التأثير الذي أحدثوه في كشف الجرائم، وعلى الدور الذي لعبوه في تغيير بعض المفاهيم والعقول في العالم، وهو ما جعلهم هدفًا مباشرًا للاحتلال.
وأكد أن هذا الخذلان الدولي والعربي والحقوقي والإعلامي، رغم قسوته، لن يطفئ الفلسطينيين، بل يعزز دورهم كضوء وبريق أمل في فضح الجرائم وكشف تواطؤ هذا العالم مع الاحتلال.
وقال الإفرنجي إن الصحفيين الفلسطينيين حملوا وحدهم عبء نقل جرائم الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، والعقاب الجماعي، والجرائم ضد الإنسانية، في ظل غياب شبه كامل للصحفيين الدوليين عن الميدان، مشددًا على أن الإعلاميين الفلسطينيين كانوا على مستوى المسؤولية والتحدي.
وأوضح أنهم أدّوا دورهم بمهنية عالية، دون تزييف أو تضليل أو توظيف دعائي، ملتزمين بالحقيقة وحدها، وهو ما أسهم في إحداث تغيّر — وإن كان محدودًا — في الرأي العام الغربي تجاه القضية الفلسطينية، وساهم في رفع مستوى الاحترام للإعلام الفلسطيني على المستوى الدولي.
وأضاف أن هذا التغيّر لا يرقى إلى مستوى الطموح، لكنه يشكل خطوة تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد، ليس فقط من الصحفيين، بل من الشعوب أيضًا، وصولًا إلى إحداث تغيير حقيقي في السياسات والقرارات الحكومية.
وأكد الإفرنجي أنه لولا العمل الجريء والمتفاني للصحفيين الفلسطينيين، "لذُبح الشعب الفلسطيني بصمت"، معتبرًا أن الإعلام الدولي سقط في اختبار أخلاقي واضح، رغم وجود استثناءات محدودة لمؤسسات وصحفيين أجروا تحقيقات استقصائية، وكشفوا زيف الرواية "الإسرائيلية"، ما دفع بعضهم إلى تقديم استقالاتهم احتجاجًا على السياسات التحريرية المنحازة.
وأشار إلى قناعته بعدم وجود إعلام مستقل بالكامل، لكنه شدد على أهمية الالتزام بالحد الأدنى من المهنية والإنصاف، مؤكدًا أن عمق ومصداقية الرواية الفلسطينية باتا حجر الأساس لاختبار أخلاق هذا العالم ومؤسساته الإعلامية.
تأثير لا يمكن تجاهله
ورغم ضعف الإمكانيات، وغياب الدعم الرسمي، وتسييس نقابة الصحفيين، والحصار المفروض منذ أكثر من 17 عامًا، وضغوط الحياة اليومية خلال الابادة ، أكد الأفرنجي أن الإعلاميين الفلسطينيين نجحوا في رسم مشهد إعلامي دقيق، وصريح، ومؤثر، مشددًا على أنه "لولا هذا الدور الإعلامي، لقتلنا جميعًا بصمت".
وأوضح أن الاحتلال، رغم امتلاكه إمكانيات ضخمة، وتقنيات متقدمة، ولوبيات داعمة، فشل في الصمود أمام الصحفي الفلسطيني الذي لا يملك سوى مصداقيته، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في ضعف الرواية الفلسطينية، بل في غياب من يتبناها ويسوقها ويدعمها عربيًا وإسلاميًا، باستثناء قلة قليلة.
وأكد أن المصداقية وحدها هي التي تصمد وتؤثر على المدى الطويل، وهو ما أثبتته التجربة في العديد من الدول.
واختتم الإفرنجي تصريحاته بتوجيه تحية لزملائه الصحفيين الشهداء، ولعائلاتهم وأطفالهم، وللصحفيين الأسرى والجرحى، معتبرًا أن الوقوف إلى جانبهم واجب أخلاقي ومهني لا يسقط بالتقادم.
كما وجّه دعوة صريحة إلى الجهات الرسمية والحكومية والفصائل والمؤسسات المعنية لتحمّل مسؤولياتها تجاه الصحفيين الفلسطينيين، الذين ما زالوا في قلب المعركة، يوثقون الحقيقة ويدفعون ثمنها.
