قالت صحيفة غارديان البريطانية إن العالم يمر خلال العامين الأخيرين بحالة غير مسبوقة من تعدد الأزمات المتداخلة، التي ضربت أسس الاستقرار الإنساني والسياسي والبيئي، وأنتجت شعورًا عامًا بالإرهاق والقلق وفقدان اليقين، في ظل تسارع الأحداث وتراكم الضغوط على المجتمعات والدول.
وأوضحت الصحيفة، في مقال مطوّل للكاتبة التركية البريطانية أليف شفق، أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الانهيار المناخي المتسارع، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط، وتراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، تراكمت بوتيرة سريعة وغير مسبوقة، ما جعل العالم يبدو وكأنه وُضع تحت ضغط يفوق قدرته على الاحتمال.
وشبّهت الكاتبة هذا الواقع بزجاج هش فقد توازنه فانكسر، في إشارة إلى هشاشة النظام العالمي أمام صدمات متلاحقة لم تُعالَج جذريًا، بل جرى ترحيلها وتجاهل جذورها السياسية والاقتصادية.
وأشارت غارديان إلى أن موجة الانتخابات الواسعة التي شهدها العالم مؤخرًا، ورغم مشاركة أكثر من 1.6 مليار شخص فيها، لم تنجح في ترميم أزمة الديمقراطية، بل كشفت عمق هشاشتها عندما تُفرغ من لغتها الأخلاقية، مؤكدة أن الانحدار الديمقراطي يبدأ بالكلمات والخطاب، حين يتحول الخصم السياسي إلى عدو وجودي.
وأضافت الصحيفة أن هذه المرحلة، التي بدت في ظاهرها ذروة النشاط الديمقراطي العالمي، اتسمت بخطابات حماسية ووعود كبيرة وثقة مفرطة، سرعان ما تبددت مع تصاعد الإحباط الشعبي، واتساع الفجوة بين الشعوب والنخب الحاكمة.
وبيّنت الكاتبة أن الإرهاق العاطفي والفكري لدى المجتمعات تفاقم بفعل أزمات السكن وغلاء المعيشة، واتساع الفوارق الطبقية، وتصاعد النزعات القومية والعسكرية، ما أدى إلى تصدع ما يُعرف بالنظام الدولي الليبرالي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وتعاظم الشعور بأن هذا النظام يقترب من نهايته التاريخية.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لفتت غارديان إلى بروز قلق وجودي عالمي طال مختلف الفئات والأعمار، تغذّيه صور الحروب والمجاعات والدمار والمعاناة الإنسانية، لا سيما في قطاع غزة، والسودان، وأوكرانيا، حيث باتت مشاهد القتل والتهجير والجوع جزءًا من المشهد اليومي العالمي.
وسلطت الصحيفة الضوء بشكل خاص على الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة، مشيرة إلى تقارير وثّقت يأس الآباء والأجداد وهم يشاهدون أبناءهم وأحفادهم بأجساد هزيلة أنهكها الجوع وسوء التغذية، في ظل حرب الإبادة والحصار، حيث قال أحدهم: "واجهنا الجوع من قبل، لكن ليس بهذه الطريقة أبدًا".
كما تناولت الصحيفة تقارير أخرى عن أوكرانيا، وثّقت الآثار المدمرة للحرب والاحتلال على العائلات العادية، ونقلت شهادات لسكان قالوا إنهم لم يتخيلوا يومًا أن تصل الحرب إلى قراهم، معتبرة أن إبراز هذه القصص الإنسانية يساهم في تفكيك الخطاب البارد والنخبوي الذي يتعامل مع البشر كأرقام وإحصاءات.
وأكدت الكاتبة أهمية الصحافة الجادة في مواجهة حالة اللامبالاة والخدر العالمي، عبر إعادة الاعتبار للصوت الإنساني، وتسليط الضوء على القضايا البيئية المصيرية، وعلى رأسها أزمة المياه، التي تهدد مستقبل مدن ودول بأكملها، محذّرة من أن النساء والأطفال والفقراء يتحملون العبء الأكبر لتداعيات تغير المناخ والحروب معًا.
ورغم قتامة الصورة، أشارت غارديان إلى أن العام لم يخلُ من لحظات أمل إنساني، تمثلت في تعاطف جماعي عالمي مع رموز طبيعية وثقافية، وعودة الاهتمام بالقراءة والفنون والهوايات البطيئة، في محاولة فطرية من البشر لاستعادة التوازن في عالم يتسارع على نحو مرهق.
وختمت الصحيفة بالتأكيد على أن الفن والثقافة يظلان ملاذًا إنسانيًا قادرًا على ترميم ما تهشّم في الروح البشرية، مشبهة ذلك بإعادة صهر الزجاج المحطم وتشكيله من جديد، شرط الاعتراف بحجم الانكسار، وتوفر الإرادة السياسية والإنسانية للعلاج والإصلاح.
المصدر: غارديان
