هلال نصار

 الأمـن معـادلـة حيـاة

أ. هـلال نصّـار

يسعى الاحتلال الصهيوني لإشغال غزة بنفسها، وذلك من خلال خطة أعدها قبيل بدء الحملة البرية، التي هدفت إلى فقدان نسبة الأمان بين أهالي غزة، وانتشار الفوضى والفلتان والاحتكار والاستغلال، وتفشي الظلم والمحسوبية، وزيادة الاضطهاد والمعاناة التي يواجهها شعبنا الغزي خصيصاً، وتحجيم الأداء الأمني، وصولاً إلى إثارة الفتنة الداخلية. كما تهدف إلى محاولة إلهائه عن المؤامرة الخارجية التي تدور على غـزة وأهلها، بإشغالهم بالبحث عن الطعام والشراب فقط، وكذلك نسيان حالة الأمن أو التفكير النسبي في كيفية قضاء حوائجهم، وتبديل أيامهم يوماً بعد يوم.

المواطن الفلسطيني في قطاع غزة يستطيع أن يتفهم حالة العجز السياسي الإقليمي والدولي حول زوال الاحتلال، وإزالة الاستيطان والجدار، ووقف الانتهاكات التي يعاني منها الأسرى في السجون، وإنهاء الحرب، ورفع الحصار، والبدء بالإعمار فوراً أو خلال وقت سريع. لكنه لا يستطيع أن يفهم أو يبرر العجز في توفير وتحقيق الأمن والأمان، وتسخير كل الإمكانيات اللازمة لمحاربة حالة الفوضى والفلتان الأمني، ومعاقبة الزعران والمجرمين وكل من يدعمهم أو يوفر الغطاء لهم، ومحاسبتهم ميدانياً أمام الملأ ليكونوا عبرة لما ارتكبوه في ظل ثبات وتضحيات شعبنا الصابر.

شاهدنا سوياً في الساعات الأولى لعودة انتشار العناصر الشرطية والأمنية على المفارق الهامة خلال الأيام الماضية (ديسمبر 2025)، حيث عبّر المواطن الغزي عن سعادته وشعوره بالأمل والتفاؤل بعودة حالة الأمن النسبي الملموس، والذي يمثل مسـار طريـق ومعادلـة حيـاة لشعبنا الفلسطيني المكلوم في محافظات قطاع غزة. وذلك بعد فقدان نعمة الأمن والأمان التي أدت إلى انتشار الفوضى والعبث بالمقدرات والممتلكات العامة. فرضُ حالة الأمن بالقوة نزع حالة الاحتكار والاستغلال لدى فئة السائقين، وتحديد تسعيرة ثابتة للركاب، الأمر الذي ساعد على بث حالة الطمأنينة بين الناس، وتحقيق السكينة العامة في المجتمع الغزي، وتوفير الأمن العام، والحفاظ على النظام العام. من الطبيعي أن يكون رد الناس وفرحتهم صادقاً ومفاجئاً؛ فأصبح شعب غزة يهتف للشرطة، ويعبّر بكلمات سعادة من القلب تحمل معاني قاسية وصعبة ومؤلمة، تخرج من أفواه صامتة نطقت رغم المحنة. حيث كانت الناس تنتقد الأداء الشُرَطِي في فترة كانت تسود البلد حالة الأمان، أما عندما فُقدت تلك النعمة وصارت نقمة، شعروا بالفرق الهائل. لذا، قضيتنا قضية وعي وإدراك؛ يجب أن نعي جميعاً ونتفهم الحالة التي يمر بها شعبنا الغزي خصيصاً، والمؤامرة العالمية على غزة وأهلها وشعبها ومكوناتها.

صراحـةً أقـول: للأسف قد تدهورت الأوضاع الأمنية بعد سقوط الجبهة الداخلية نتيجة الحرب البرية على قطاع غزة، حتى أصبح الأمن مفقوداً ومعدوماً. كما أن محاربة حالة الفوضى والفلتان الأمني يُعد مطلباً شعبياً وفصائلياً، لكنه بحاجة إلى وعي حقيقي ملموس، وإلى قوة أمنية حاسمة، تتخذ القرارات المناسبة، وتحقق حالة الردع لكل من سولت له نفسُه المساهمة في تفاقم مظاهر الفوضى والفلتان الأمني بغـزة.

وفي هذا الوقت، الذي يجمع فيه الكل الفلسطيني على ضرورة الالتزام بتوفير الأمن النسبي في قطاع غزة، عقب حرب الإبادة المستمرة لأكثر من عامين متواصلين على شعبنا المرابط، يجب اتخاذ خطوات ميدانية لردع تلك المليشيات المسلحة، وإنهاء مظاهر الفوضى، والعمل على تحقيق الهدوء والاستقرار، وتوفير الأمن والطمأنينة والسكينة العامة، وبسط السيطرة الأمنية في الميدان. ما دام ذلك يحفظ حقوق شعبنا، ويحمي المقدرات العامة، ويحقق المصلحة الوطنية، ويمكن من مواجهة التحديات، وإنهاء حالة المليشيات الفصائلية والعائلية التي تقيم كل منها سلطة خاصة بها في ظل غياب الدور الأمني والقانوني. حيث لا يمكن تحسين الوضع الأمني بصورة ملموسة، من دون أن يشعر المواطن بالأمن والأمان، وفرض سيادة القانون والنظام العام.

في المجمل، غزة أثبتت نموذجًا أمنياً فريداً في بيئات الحرب والحصار، وشكلت تطوراً ملحوظاً في منظومة أمنية متماسكة ومرنة، قادرة على حماية المجتمع، واستدامة الحالة الأمنية، وتحقيق تكامل متوازن في المشاركة الشعبية والاستقرار المجتمعي.

خلال الحرب على غزة، أثبتت الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية والأمن الوطني بغزة، مرونتها وفاعليتها في مواجهة الضربات المباشرة للاحتلال عبر استهداف المقار الأمنية، وارتقاء المئات من الكوادر البشرية، مع الحفاظ على السيطرة على الفوضى ومنع الانهيار الداخلي. إلا أن الحملة البرية أخفقت الجهد المبذول في امتصاص الضربات الجوية والعمليات القتالية والمجازر البشعة والإبادة الجماعية والتطهير العرقي لمقدرات الوزارة وأجهزتها المختلفة.

مع اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل صفقة الأسرى الثانية في أكتوبر 2025، انتقل نموذج الأمن في غزة إلى مرحلة جديدة ومتقدمة، تركز على إعادة الانتشار الأمني، وإقامة نقاط حماية ودوريات تفتيش متنقلة، وتكثيف دور اللجان الشعبية وتنظيم الأمن المجتمعي في مراقبة الأحياء، ودمج حالة الأمن الاقتصادي للرقابة على الأسواق، وحماية الإغاثة الإنسانية كجزء أساسي من الأمن الشامل، وتعزيز القدرات التقنية والمهنية للكوادر الأمنية. فيما واجهت المنظومة تحديات مستمرة، أبرزها الحصار الإسرائيلي، ودعم الاحتلال لبعض العصابات، والأزمة الاقتصادية نتيجة التحكم المباشر في المعابر. لكن مؤشرات الانضباط والالتزام كانت مرتفعة، ما يعكس صلابة نموذج "الأمن المقاوم" وقدرته على التكيف مع التحديات الداخلية والخارجية.

وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن الأمـن في غـزة سيشهد تحولًا تدريجيًا نحو "الأمن الوطني المحلي" القائم على الشرعية الشعبية والمشاركة المجتمعية، مع إعادة تأهيل الكوادر البشرية، وفصل المهام الأمنية لتعزيز الكفاءة والشفافية.

#الأمـن_معادلة_حيـاة
#الأمـن_مسار_طريـق
#كــن_واعــي

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة