ترجمة / شهاب
في جلسة صاخبة داخل الكنيست الإسرائيلي مساء الإثنين، شنّ زعيم المعارضة يائير لابيد هجوماً لاذعاً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته، متهماً إياهم بالفساد، وسوء إدارة الدولة، والتنصل من المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، التي وصفها بأنها "أكبر مأساة في تاريخ إسرائيل الحديث".
يأتي هجوم لابيد في ظل توترات متصاعدة بينه وبين نتنياهو، تعكس خلافاتهما العميقة خلال حرب غزة 2023–2025. فقد اتهم لابيد مراراً نتنياهو بالتقصير في الاستعداد للحرب، وبإدارة فاشلة للعمليات العسكرية والأمنية، ما أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى من المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما انتقد تعامل الحكومة مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في ظل الحرب، خصوصاً فيما يتعلق بغلاء المعيشة والتمييز في الخدمة العسكرية للشباب الحريديم، وهو ملف أثار جدلاً كبيراً خلال سنوات ولايته كوزير للخارجية ورئيس حكومة مؤقتة.
وبحسب مواقع الاعلام العبري استهلّ لابيد خطابه باتهام حزب الليكود الحاكم بأنه "تحوّل إلى نسخة جديدة من حزب مباي في نهاية عهده، فاسداً ومترهلاً"، وأضاف ساخراً من محاولة تعيين نجل نتنياهو في منصب رسمي:"حين حاولوا تعيين يائير نتنياهو مديراً لقسم لا حاجة له، وبراتب وزير، لم يقل أحد إنها غلطة، لأننا جميعاً فهمنا أنها لم تكن كذلك. والمضحك أن نتنياهو قال حينها: لم أكن أعلم! وكأن منح ابن رئيس الوزراء وظيفة حكومية أمر عادي!".
وتطرق لابيد إلى قضية تسرب معلومات أمنية خطيرة خلال الحرب، قائلاً: "في عهدكم، كانت هناك دولة مسلمة داعمة للإرهاب تملك عملاء داخل مكتب رئيس الوزراء. لو حدث هذا في ولايتي لأغلقتم المكتب وأحرقتموه!".
واتهم نتنياهو ووزراءه بالتهرب من المسؤولية عن كارثة 7 أكتوبر، قائلاً: "في حكومتكم لا أحد يقول (أنا آسف) أو (أتحمل المسؤولية). الجميع رحلوا باستثناء شخص واحد... من كان على رأس المنظومة، ومن تجاهل التحذيرات، ومن موّل حماس بالدولارات، ومن فشل في منع الكارثة – أنت يا نتنياهو، أنت المسؤول والمذنب، ويجب أن ترحل".
وطالب لابيد مجدداً بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، متهماً نتنياهو بعرقلتها: "أغلب الإسرائيليين يريدون لجنة تحقيق رسمية، وأنت تفعل كل ما بوسعك لمنعها لأنها ستكشف الحقيقة".
كما وجّه انتقادات حادة لوزراء الليكود وأحزاب اليمين الديني، معتبراً أنهم "يسعون لانتزاع ما يمكن قبل النهاية"، منتقداً قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية للحريديم، الذي وصفه بـ"المخزي". "أولادنا يموتون، وأولادهم يجلسون تحت المكيّف في المدارس الدينية. التمييز بين دم ودم مستمر".
وأشار لابيد إلى أن عدم تجنيد الحريديم يكلّف الاقتصاد الإسرائيلي نحو 60 مليار شيكل سنوياً، مضيفاً: "هذه الأموال كافية لخفض أسعار السلع إلى مستوى اليونان أو البرتغال. هذا هو الحل الحقيقي لأزمة غلاء المعيشة".
واختتم زعيم المعارضة خطابه باتهام نتنياهو بالكذب والتناقض في مواقفه تجاه المجتمع العربي واتفاق الحدود البحرية مع لبنان، قائلاً:"قلتَ إن حكومتك منحت العرب أكثر من أي حكومة أخرى، والآن تقول العكس. كما زعمت أنك منحتهم منصات غاز – هل لديك صورة واحدة لهذه المنصات؟ أم أنك اخترعتها؟".
يبرز الخلاف بين زعيم المعارضة يائير لابيد ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كأحد أبرز عناصر الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل، وقد تجلى بشكل واضح خلال الحرب على غزة بين 2023 و2025. العلاقة بين الرجلين لم تكن مجرد تبادل اتهامات عابر، بل امتدت لتشمل قضايا استراتيجية وأمنية واجتماعية عديدة، وأصبحت محور اهتمام وسائل الإعلام العبرية والدولية.
لابيد اتهم الحكومة بعدم وجود أي خطة أو رؤية واضحة لإنهاء الحرب، واصفاً إدارة العمليات بأنها “إخفاق استراتيجي”، محملاً نتنياهو المسؤولية عن فشل حماية المدنيين والجنود على حد سواء. وأضاف أن رئيس الوزراء لا يريد دفع الثمن السياسي لإنهاء النزاع، وأن الحكومة لا تفعل ما يلزم لاستعادة الرهائن أو لتأمين المدنيين في قطاع غزة. هذه الانتقادات لم تقتصر على الاستراتيجية العسكرية، بل شملت قرارات الحكومة بالمضي في احتلال أجزاء من غزة، والتي وصفها لابيد بأنها “كارثة سياسية” تعرض حياة الجنود للخطر، مؤكداً أن القرار تم ضد توصيات الأجهزة العسكرية والأمنية.
الخلاف بين الرجلين شمل أيضاً العلاقة مع الرأي العام الإسرائيلي، حيث اعتبر لابيد أن استمرار الحرب بدون دعم غالبية الشعب سيؤدي إلى أزمة داخلية كبيرة، واصفاً النزاع بأنه “طريق مسدود” يحتم البحث عن حلول سياسية عاجلة. وأشار إلى تجاهل الحكومة للتحذيرات الأمنية قبل هجوم 7 أكتوبر 2023، معتبراً أن هذا الإهمال ساهم في تفاقم الكارثة التي أعقبت الهجوم، ما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق نتنياهو شخصياً.
تظهر هذه الخلافات أيضاً في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما مسألة الخدمة العسكرية للشباب الحريديم، التي وصفها لابيد بالمخزية، مشيراً إلى تكاليفها السنوية الباهظة على الاقتصاد الإسرائيلي وارتباطها المباشر بأزمة غلاء المعيشة. كل هذه الأبعاد تجعل من أي خطاب أو جلسة في الكنيست، مثل الجلسة الأخيرة التي شهدت هجوماً لاذعاً من لابيد على الحكومة، انعكاساً لصراع طويل ومتشعب على القيادة والمساءلة السياسية، يتجاوز الانتقادات اليومية ليصل إلى صميم إدارة الدولة وقراراتها المصيرية.
