أسماء الصانع تمشي بخطوات حذرة بين الصور، عيونها تتفحص كل تفصيل صغير على وجوه الشهداء، الشامة على الخد، ثنية في الملابس، لون الحذاء، أي أثر من الحياة السابقة، كل شيء يمكن أن يكون دليلًا، كل علامة قد تعيد إليها نصف قلبها المفقود، الصمت يملأ المكان، ثقيل، يضغط على صدرها، لكن هناك شيء أعمق من الخوف أو الألم، شعورٌ متوارٍ في كل حركة، رغبة في المواصلة، في البحث، في أن تعرف الحقيقة مهما كانت قاسية.
تبدو الصور أمامها كأنها مداخل لحكايات كثيرة لم تجد طريقها إلى البوح بعد، وجوه مشوهة، أيادٍ مبتورة، أعين معصوبة، آثار حبال وسياط، وفي كل تفصيل تتلمس أسماء تاريخًا من التنكيل، من الفقد الذي لا يعرف نهاية، رغم ذلك، لا تتوقف عن النظر، لا تتراجع خطوة واحدة، كل وجه أمامها يحمل احتمالًا، قد يكون زوجها، قد يكون صديقًا، قد يكون قصة حب وجهاد وفخر.
القلب يتسارع، اليد ترتجف، ثم تتحرك بعزم أكبر، تبحث عن أي أثر من حياة عاشها معها، عن علامات صغيرة تحفظها الذاكرة عن ظهر قلب، شامة، خد، خيط في الملابس، تدرك أن كل دقيقة بحث هي شهادة وفاء، كل دمعة محتجزة داخلها هي امتداد للكرامة التي لا يُمكن كسرها.
"وكالة سند للأنباء" استمعت إلى رحلة الموت التي خاضتها أسماء الصانع بالبحث عن زوجها، رحلةً ثقيلةً بالحزن ومتخمةً بالإشارات التي كانت تقودها -دون أن تدري- نحو اللحظة الأصعب، تقول أسماء إنها لم تنتظر طويلًا بعد ذلك اليوم المليء بالحدس والرجفة؛ شيء كان يقترب منها، يلتف حول قلبها كنداء خفي لا يُسمَع لكنه يُحسّ، ولم تمضِ ساعة حتى رنّ هاتفها، ومعه جاء الخبر الذي هزّها من الداخل: العثور على جثمان "أبو يحيى".
"أجساد مشوّهة"..
تقول أسماء الصانع في رحلة البحث عن زوجها: "فخر لي أن أعرف عن نفسي بزوجة الشهيد المجاهد سلامة العروقي، أبو يحيى، اسمه يسبق اسمي، وذكره خالد دائمًا في قلبي وقلوب أطفالي الثلاثة".
وتزيد "الصانع" في الحديث عن تجربتها بالبحث عن جثمان زوجها يتّسع ولا ينتهي، وإنها لم تتخيّل يومًا أن تخوض رحلة قاسية ومروّعة كهذه، تبحث فيها عن ملامح حبيبها بين أشلاء منهكة من التعذيب وبقايا أجساد مشوهة، وتؤكد أن الشوق واللوعة كانا أقوى من كل خوف، وأن قلبها كان يُساق إلى هذه التجربة وكأن الله يكتب لها حكمة ثقيلة تصقل روحها وتقرّبها إليه أكثر.
وتروي ضيفتنا أنها كانت في كل مرة تستعد للدخول في رحلة البحث تتوضأ، وتحصّن نفسها وتستودع عقلها ودينها لله، خوفًا من أن يخذلها صبرها أو ينهار عقلها أمام المشاهد، وتشرح أنها كانت تدخل تلك اللحظات وهي تردّد دائمًا بأن الله هو رفيقها ونورها، وتقول إن الله كان لها عونًا، يحفظ عقلها ويثبت قلبها، فكيف -وفق تعبيرها- لامرأة مكسورة، فقدت شريكها وسندها، أن تواجه كل هذا الألم دون معونة الله.
وتكشف "الصانع" أن يوم العثور على جثمان زوجها كان مختلفًا، كانت عند صديقة لها عثرت في اليوم ذاته على جثمان زوجها، رفيق "أبو يحيى" في الطريق نفسها، ذهبت لتواسيها وتهنئها، لكنها -كما تروي- وجدت نفسها تبكي بشدة وتردد: "روح أبو يحيى تحاوطني، أنا حاسة فيه شامة ريحته كأنه قريب مني".
وتقول "الصانع" إنها عادت إلى البيت في تلك الليلة وهي تشعر أن شيئًا ما يتحرك نحوها، وكأن المسافة بينها وبين زوجها أصبحت خطوتين فقط، وتذكر أنها قالت لصديقتها قبل أن تبدأ البحث في الرابط: "أنا حاسة الليلة حشوفه أبو يحيى قريب".
بعد ساعة فقط، تقول أسماء إن هاتفها رنّ، وإن خبر العثور على جثمانه وصلها كارتقاء جديد، كفقدٍ يتجدد، شعرت به يسحب قلبها معها في اللحظة ذاتها.
وتوضح أسماء أن الله -رحمته- لم يشأ أن تصدمها صور التعذيب أو التشويه، وأنها لم تكن تدرك هذه الرحمة إلا لاحقًا، معبّرةً أنها رأت جسده الطاهر مسجى داخل سيارة الإسعاف، بدا جسدًا كاملاً، جسد شهيد أحبه الله فاصطفاه، أرادت الاقتراب أكثر ولكنها مُنعت، فتقول إنها سلّمت ذلك لله، ودعته أن يلطّف وداعها وأن يكون المنع خيرًا.
وتضيف أسماء أنها في ذلك اليوم شعرت بشموخ لا يشبه أي شعور آخر، شعرت بفخر زوجة شهيد قاتل حتى اللحظة الأخيرة، وبعزة امرأة اصطفاها الله لتحمل اسم رجل ثابت ومقبل غير مدبر، ودّعته وداعًا يليق به، بلا صراخ، بلا انهيار، فقط دموع هادئة كانت تهوي داخل صدرها وألم تتجرّعه بصمت.
وتزيد "الصانع" بكلماتٍ من الألم، "كل وصول لجثامين الشهداء كان بالنسبة لي معركة جديدة، كنت أستجمع كل قوتي، أكتم أنفاسي، وأفتح صفحات الصور المنشورة على موقع وزارة الصحة في غزة، أبحث عن أي أثر لزوجي، كنت أفتش عن الشامة الصغيرة على خده، عن قطعة من ملابسه، عن أي علامة تناديني: هذا هو أبو يحيى، لكن الملامح كانت متشابهة بالقسوة، وجوه مشوهة، أيادٍ مبتورة، آثار سياط على الظهور، أعين مغطاة، آثار حبال وأشرطة بلاستيكية، كل ذلك جعل البحث كابوسًا لا ينتهي".
ماذا عن صفات زوجك المحب؟ تُجيبنا: "أبو يحيى كان رجلًا شجاعًا، صلبًا، مدرسة في الحياء والزهد، طيب القلب، مؤدب، غيور على أهله وأطفاله، كان يحب أولاده حبًا عميقًا، حنونًا جدً، أحيانًا أراه أحن منهم عليّ، وكأنه أخذ مكاني ليعرف أنني سأستمر بعده".
وتروي "الصانع"، "رحلة البحث لم تكن رحلة شخصية فقط، بل كانت تجربة مشتركة لكل العائلات الغزية التي فقدت أحبائها في عملية العبور، كنت أفتش في وجوه الشهداء المجهولين، أخشى أن تمر صورته أمامي دون أن أتعرف عليه، هذا الإحساس كان يفتت روحي ويضاعف ألمي، لكنني كنت أواصل البحث، أي شامة، أي أثر، أي علامة كانت كافية لتقودني إليه ولو للحظة".
المصدر : وكالة سند
