خاص / شهاب
لم يكن الصياد الشاب عبد الرحمن عبد الهادي القن يدرك أن خروجه إلى بحر غرب خانيونس بحثاً عن لقمة عيش سيحوّل البحر إلى مكان استشهاده، في مشهد يلخّص سياسة الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للصيادين في قطاع غزة، حتى بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وارتقى الصياد القن صباح اليوم متأثراً بإصابته البالغة أثناء عمله في الصيد، ليصبح الشهيد الثاني في صفوف الصيادين منذ بدء العمل باتفاق وقف إطلاق النارالذي لم يتوقف الاحتلال عن اختراقه صباح مساء، في وقت لا يزال فيه البحر مغلقاً عملياً أمامهم بالقوة والنار.
ولا تقتصر المأساة على القتل المباشر، إذ يعيش الصيادون واقعاً مركباً من الخطر اليومي؛ بين إطلاق نار ومطاردات بحرية واعتقالات متكررة، إضافة إلى الغرق نتيجة اضطرارهم للإبحار بمراكب متهالكة بعد تدمير الاحتلال لمعظم مراكب الصيد خلال الحرب.
وفي ظل هذه الظروف، يحاول الصيادون العمل على مسافات قريبة جداً من الشاطئ، في مغامرة محفوفة بالموت لتأمين قوت أسرهم.
"لقمة مغمسة بالدم"
من جانبه، قال رئيس النقابة العامة للعاملين في مهنة الصيد والإنتاج البحري زكريا بكر إن فترة وقف إطلاق النار أسفرت عن استشهاد صيادين اثنين، إلى جانب حالات وفاة لصيادين آخرين في بحر غزة والمنطقة الوسطى نتيجة انقلاب مراكبهم، فضلاً عن اعتقال 28 صياداً خلال هذه المدة.
وأشار بكر في تصريح صحفي خاص لوكالة شهاب، إلى أن عدد شهداء الصيادين منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة ارتفع إلى 232 صياداً.
ويضيف بكر أن الاحتلال لا يكتفي بمنع الصيادين من دخول البحر، بل يتعمد إطلاق النار عليهم حتى عند اقترابهم لمسافات ضيقة جداً من الشاطئ، ما يحوّل البحر إلى منطقة محرّمة عملياً، ويجبر الصيادين على العودة صفر اليدين أو المخاطرة بحياتهم، في ظل انعدام أي بدائل اقتصادية في القطاع المحاصر.
ويوضح أن آلاف الأسر الغزية باتت مهددة بفقدان مصدر دخلها الوحيد، بعد أن دُمّرت المراكب ومخازن المعدات وأماكن التصليح خلال الحرب، مشيراً إلى أن الصيادين اليوم يعملون بإمكانات بدائية جداً لا تضمن السلامة ولا تحقق الحد الأدنى من الإنتاج، الأمر الذي يفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي في مجتمع يعتمد تاريخياً على الصيد كمصدر رئيسي للغذاء.
ويؤكد بكر أن ما يتعرض له الصيادون يشكّل خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، ولا يمكن فصله عن سياسة التجويع الجماعي التي يتبعها الاحتلال بحق سكان غزة، مطالباً المؤسسات الدولية والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات، وضمان حرية الصيادين في العمل، وتأمين الحماية لهم في عرض البحر.
وشدد بكر على أن استمرار استهداف الصيادين، حتى بعد وقف إطلاق النار، يكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية حول التهدئة، ويؤكد أن البحر ما يزال ساحة مفتوحة للقتل والعقاب الجماعي، في وقت يدفع فيه صيادو غزة حياتهم ثمناً لمحاولة البقاء.
ويبقى صيادو قطاع غزة على خطوط مواجهة يومية بين البحث عن لقمة العيش والحفاظ على حياتهم، ومع كل حادثة استشهاد أو غرق يتجلى حجم المعاناة والضغط الذي يعيشه الصيادون وأسرهم.
وأمام ذلك، يظل التدخل الدولي الفاعل وحماية الصيادين ضرورة عاجلة لإنقاذ أرواحهم وضمان حقهم البديهي في العمل، ووقف استمرار هذه الجرائم التي تهدد حياتهم.
