خاص - شهاب
سجّل جيش الاحتلال "الإسرائيلي" أعلى معدل لحالات الانتحار في صفوفه منذ أكثر من 15 عامًا، في تطور يعكس أزمة نفسية ومعنوية متفاقمة داخل المؤسسة العسكرية، على خلفية الحرب الطويلة والمستمرة على قطاع غزة.
ووفق أحدث إحصائيات نشرتها صحيفة "هآرتس" العبرية، فقد بلغ عدد حالات الانتحار في صفوف جيش الاحتلال خلال عام 2025 نحو 22 حالة، وهو الرقم الأعلى منذ 15 عامًا، ما فتح باب النقاش داخل الأوساط البحثية والسياسية "الإسرائيلية" حول تداعيات الحرب على الجنود والمجتمع "الإسرائيلي" ككل.
في هذا السياق، قدّم ثلاثة خبراء ومختصين في الشأن "الإسرائيلي" خلال حديثهم لوكالة (شهاب) قراءات متقاطعة لأسباب هذا التصاعد ودلالاته وانعكاساته المستقبلية.
"شديد: الحرب الطويلة هي السبب الجوهري"
يرى الباحث المختص في الشأن "الإسرائيلي" عادل شديد أن ارتفاع حالات الانتحار يرتبط بشكل مباشر بطبيعة الحرب الطويلة والضارية التي خاضها جيش الاحتلال في قطاع غزة، والتي استنزفت الجنود على المستويات الوظيفية والمالية والاجتماعية.
وأوضح شديد أن جميع الجنود الذين أقدموا على الانتحار خدموا في الحرب الحالية على غزة، وأن العدد المسجل يفوق بكثير ما كان عليه قبل عام 2023، مؤكدًا أن الحرب تشكل العامل الأساسي، حتى وإن تعددت الأسباب التفصيلية خلف كل حالة.
وأشار إلى أن هناك تساؤلات مفتوحة حول الدوافع الدقيقة للانتحار، سواء كانت متعلقة بفقدان فرص العمل والتعليم، أو تفكك الأسر وارتفاع معدلات الطلاق نتيجة الخدمة العسكرية الطويلة التي امتدت لمئات الأيام، أو بسبب الانهيارات النفسية الناتجة عن مشاهد القتل ومقتل زملائهم تحت مسؤوليتهم المباشرة.
وأضاف شديد أن ارتكاب الجنود لجرائم بحق المدنيين، من أطفال ونساء، قد يكون ولّد لدى بعضهم صراعًا داخليًا وشعورًا بالذنب، انعكس لاحقًا على سلوكهم، مؤكدًا في الوقت ذاته أن هذه الظاهرة، رغم خطورتها، لن تؤدي إلى تغيير في الموقف العسكري أو السياسي "الإسرائيلي" تجاه الحرب، لا سيما في ظل الحكومة الحالية.
وذكر شديد أن ارتفاع حالات الانتحار يرفع كلفة الحرب على المجتمع الإسرائيلي، ويؤثر سلبًا على معنويات الجنود الآخرين وحاضنتهم الاجتماعية، لكنه سيبقى في إطار الجدل الداخلي دون أن يتحول إلى عامل ضغط حاسم على صناع القرار.
"كيوان: جرائم الحرب والفاشية وانعدام الأفق عوامل إحباط قاتلة"
من جانبه، ربط الكاتب والمحلل السياسي سهيل كيوان بين تصاعد حالات الانتحار وبين المشاهد القاسية التي عاشها الجنود خلال مشاركتهم في الحرب على قطاع غزة.
وأكد كيوان أن مشاهدة جرائم الحرب، إلى جانب مقتل أعداد كبيرة من الجنود أمام أعين زملائهم، تركت آثارًا نفسية عميقة لا يمكن فصلها عن هذه الظاهرة.
وأضاف أن الشعور بالتمييز داخل المجتمع "الإسرائيلي" خصوصًا مقارنة بين الجنود العلمانيين والمتدينين الذين لا يخدمون في الجيش لكنهم يحصلون على ميزانيات ودعم حكومي كبير، أسهم في تعميق الإحباط.
وأشار إلى أن انعدام الأفق السياسي، وسيطرة التيارات الفاشية على نظام الحكم والقضاء في "إسرائيل" شكّلت بيئة خانقة دفعت مزيدًا من الجنود إلى فقدان الأمل، معتبرًا أن هذه العوامل مجتمعة تشكّل أرضية خصبة لارتفاع حالات الانتحار داخل المؤسسة العسكرية.
"أبو عامر: اضطراب ما بعد الصدمة أخطر مما تعلنه الأرقام"
أما الخبير المختص في الشأن "الإسرائيلي" مأمون أبو عامر، فاعتبر أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للأزمة النفسية داخل جيش الاحتلال، مرجحًا أن تكون الجهات الرسمية تخفي أعدادًا أكبر خشية تداعياتها على الاستقرار الداخلي.
وأوضح أبو عامر أن التقديرات تشير إلى أن نحو 10 آلاف جندي إسرائيلي يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، وهو رقم كبير يكشف عمق التأثير النفسي للحرب المستمرة.
واعتبر أن الإعلان عن 22 حالة انتحار يُعد مؤشرًا واضحًا على طبيعة الظروف القاسية التي عاشها الجنود، لكنه لا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة.
وأضاف أن الجنود الذين عاشوا الحرب، سواء كمنفذين للقتل أو شهود على مشاهد فظيعة، يواجهون صراعات نفسية حادة عند عودتهم إلى المعسكرات أو منازلهم، حيث تبدأ مشاعر اللوم والاضطراب بالظهور، ما ينعكس على سلوكهم واستقرارهم النفسي.
وتوقع أبو عامر أن تكون التداعيات الأخطر في المرحلة اللاحقة للحرب، موضحًا أن فترات الهدوء النسبي قد تشهد ردود فعل أكثر عنفًا لدى المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، مع انخفاض منسوب التوتر العسكري وبروز الآثار النفسية المؤجلة، مرجحًا أن ترتفع معدلات الانتحار في السنوات المقبلة.
وتشير قراءات المحللين إلى أن تصاعد حالات الانتحار في صفوف جيش الاحتلال لا يُعد ظاهرة عابرة، إنما مؤشرًا على أزمة نفسية عميقة خلّفتها حرب غزة، تمتد آثارها إلى ما بعد ساحة الحرب.
