غزة – محمد هنية
صفعة مدوية وجهتها عملية القدس جعلت قادة الاحتلال يتحسسون خدودهم منها، لا سيما وأنها تأتي في الذكرى السنوية الأولى لانطلاق انتفاضة القدس، وفي توقيت زماني خلال فترة الأعياد اليهودية، وتوقيت مكاني بالقرب من مقر الشرطة القطري، مع تأهب أمني اسرائيلي في القدس وضواحيها.
"مصباح أبو مصبح" منفذ العملية والذي كان من المقرر أن يسلم نفسه لشرطة الاحتلال لقضاء أربعة أشهر داخل السجون، فضّل الاستشهاد منتقماً على الاعتقال، فاستقل سيارته وبصحبته سلاح الرشاش، وأطلق رصاصاته على جنود الاحتلال أردى منهم قتيلين وأصاب 6 اسرائيليين آخرين.
ولاقت عملية القدس زخماً كبيراً على وسائل الاعلام الاسرائيلية، حيث وصف المحللون الاسرائيليون العملية بـ "النوعية" وستشكل نموذجاً لمنفذي عمليات قادمين لتقليدها، بحسب المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هريئيل.
وأضاف: " نتائج والعملية والمكانة التي يحظى به المنفذ الذي ترعرع في سلوان ويملك أقاربًا في بلدة الرام، ستشكل نموذجاً لمنفذي العمليات، وستصبح عمليات إطلاق النار المفضلة لدى الفلسطينيين بسبب عدد القتلى والجرحى التي تستطيع حصده، مقارنة بعمليات الدهس والطعن التي تنتهي باستشهاد المنفذ وإصابة عدد قليل، ومعظم الإصابات لا تكون خطيرة".
وأكد هريئيل أن الدافع الديني واضح في هذه العملية، والسبب المباشر هو محاولة تقسيم المسجد الأقصى وطرد المسلمين منه، لا سيما في فترة الأعياد اليهودية، التي ترتفع فيها وتيرة اقتحامات المستوطنين.
وحقيقة أن العملية نفذت في مكان مركزي والتقطتها عدسات الكاميرات وأوقعت عددًا من القتلى، ومنفذها، بحسب هريئيل، شخص معروف وناشط في الدفاع عن الأقصى، ستكون دافعًا للعديد من الفلسطينيين لتنفيذ عمليات مشابهة، لا سيما في القدس الشرقية ومنطقة الخليل.
أما المحلل العسكري في القناة العاشرة الإسرائيلية، ألون بن دافيد، فقال "إن ما يميز هذه العملية هو سرعتها وعدم ورود أي معلومة لجهاز الأمن العام (الشاباك) او الشرطة حول تنفيذها، مع أن المنفذ استخدم سلاحًا ناريًا، وبالتأكيد حصل عليه من مكان ما".
واعتبر بن دافيد أن سلاح العملية هو عامل أساسي فيها، لأن المنفذ استخدم بندقية من نوع M16، لكن لا أحد يعلم بعد إذا كانت من النوع البدائي أم المتطور، ولا كيف حصل المنفذ عليها. ويشار إلى أن هذا النوع من الأسلحة يستعمل في أوساط الجيش الإسرائيلي.
وفرضت السلطات الإسرائيلية أمر حظر نشر على جميع تفاصيل العملية التي لم تصدر عنها، ومن ضمنها اسم منفذ العملية وأسماء الجرحى، في حين فرضت قوات الاحتلال طوقًا أمنيًا محكمًا حول الأحياء العربية في القدس المحتلة، واندلعت مواجهات بينها وبين الشبان هناك.
ومن جهته، أكد يوني بن مناحيم الضابط الإسرائيلي السابق بجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)، أن الفلسطينيين أحيوا مرور عام على انتفاضة السكاكين بالكثير من الفعاليات والمظاهرات الشعبية، مع أنها لم تكن انتفاضة منظمة بصورة مسبقة بل اندلعت بصورة عفوية.
وأضاف: "رغم مظاهر الانتفاضة العفوية فإن ذلك دفع حركة حماس لأن تمسك بزمام المبادرة فيها، وباتت ترى في نفسها أنها أشعلت هذه الانتفاضة عبر الهجوم المسلح الذي وقع قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2015، تماما كما فعلت حين نسبت إلى نفسها أنها فجرت الانتفاضة الأولى عام 1987".
واستطرد بن مناحيم "ومع مرور العام الأول لانتفاضة السكاكين التي سقط فيها 249 فلسطينيا وأصيب 18 ألفا آخر، وقتل أربعون إسرائيليا، هناك تقديرات بأن تستمر هذه الانتفاضة بالعام الجديد لها رغم العمل الأمني الإسرائيلي المكثف ضدها، بالتعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية، في ظل غياب كامل للمفاوضات السياسية بين الطرفين، مما يباعد أي أفق سياسي ولا يمنح الجيل الفلسطيني الصاعد أي أمل مما يجعله يواصل إشعال انتفاضة السكاكين".
ولعل الإنجاز الأكبر الذي يراه الفلسطينيون مع مرور العام الأول للانتفاضة هو أن إسرائيل رغم كل ما تمتلكه من وسائل وأدوات لم تنجح بوقف هذه الظاهرة، بل إنها تشهد تجددا يوما بعد يوم، مع أن العدو الأول لهذه الانتفاضة هو التنسيق الأمني القائم بين القوات الأمنية لـالسلطة الفلسطينية وإسرائيل.
وأوضح بن مناحيم الخبير بالشؤون الفلسطينية أن السلطة الفلسطينية بدأت مبكرا بإحباط موجة الهجمات ضد الإسرائيليين ووقف التحريض عبر الإعلام، ونتيجة لذلك انخفضت بصورة كبيرة العمليات بشمال الضفة ووسطها، رغم أن الخليل مازالت تعتبر بؤرة للعنف السائد بالمناطق الفلسطينية بسبب الاحتكاك الدائم بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين، لاسيما قرب الحرم الإبراهيمي.
وختم بالقول "هناك توقع إسرائيلي بانضمام أطراف فلسطينية أخرى لموجة العمليات في السنة الجديدة، رغم أن أي تنظيم فلسطيني لم ينجح حتى الآن باتخاذ موقع القائد لهذه الانتفاضة بصورة منظمة، وبقيت هذه الانتفاضة ملكا للجيل الفلسطيني الصاعد الذي يقودها انطلاقا من موجات التحريض عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الفلسطينية".
