تحقيق الغارديان يكشف: تحت الأرض... يُدفن الفلسطينيون أحياء في سجن راكيفيت "الإسرائيلي"

كشف تحقيق حصري لصحيفة ذا غارديان البريطانية عن وجود سجن "إسرائيلي" سري تحت الأرض يُعرف باسم "راكيفيت" (زهرة السيكلامين)، يُحتجز فيه عشرات الفلسطينيين من قطاع غزة في ظروف قاسية وموصوفة بأنها "لا إنسانية".

وبيّن التقرير أن هؤلاء المعتقلين يُحرمون من ضوء النهار والطعام الكافي ومن أي تواصل مع عائلاتهم أو العالم الخارجي، علاوة على تفاصيل إضافية عن المعاملة داخل سجن "راكيفيت"، إذ كشف أن الزنازين تقع في أعماق الأرض بلا نوافذ أو تهوية، ويُحرم المعتقلون من ضوء الشمس لأشهر طويلة، بينما تُسحب الفُرش عند الفجر وتُعاد ليلًا، ما يجبرهم على الجلوس طوال النهار على هياكل حديدية باردة. وتُمنح لهم دقائق محدودة كل يومين في ساحة تمرين صغيرة تحت الأرض لا يدخلها الضوء الطبيعي.

كما وثق المحامون الذين زاروا السجن مشاهد قذارة خانقة، منها درج متسخ يؤدي إلى قاعة تملؤها الحشرات الميتة ومرحاض ملوث، إلى جانب شهادات عن تعرّض المعتقلين للضرب والدوس بالأقدام وهجمات الكلاب المكمّمة. وأكدت منظمات حقوقية أن هذه الانتهاكات تعكس نمطًا ممنهجًا من سوء المعاملة في السجون الإسرائيلية، حيث تُستخدم أساليب التعذيب والعزل والحرمان من الرعاية الطبية كأدوات قمع متعمدة ضد الأسرى الفلسطينيين.

سراديب معتمة تُشبه المقابر

وأوضحت الصحيفة، في تقريرها الصادر بتاريخ 8 نوفمبر 2025، أن السجن الواقع قرب مدينة الرملة أُعيد تشغيله بأمر من وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتامار بن غفير عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023، ليصبح مكانًا لاحتجاز الفلسطينيين في سراديب معتمة تُشبه المقابر.

ورصد التحقيق وجود مدنيين بين المعتقلين، من بينهم ممرض فلسطيني يبلغ 34 عامًا كان يعمل في مستشفى بغزة قبل اعتقاله في ديسمبر 2023، وشاب يبلغ 18 عامًا كان يبيع الطعام واعتُقل عند حاجز إسرائيلي في أكتوبر 2024. وأكد محامو اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل (PCATI) أن كليهما محتجز منذ شهور دون توجيه أي تهمة أو عرض على محكمة، وتعرّضا للضرب والعنف المنتظم بما "يتوافق مع أنماط التعذيب الموثقة" في السجون الإسرائيلية.

وأوضح المحامون أن الزنازين بلا نوافذ أو تهوية، وتضم ثلاثة أو أربعة معتقلين في مساحة ضيقة، لا يرون ضوء النهار منذ شهور، ويُسمح لهم بالخروج نادرا إلى ساحة تمرين صغيرة تحت الأرض لبضع دقائق فقط،  كما وصف التقرير الطعام المقدم لهم بأنه "أقل من الحد الأدنى من الكفاية"، والرعاية الطبية بأنها شبه معدومة، فيما يتعرض المعتقلون — وفق شهادات المحامين — للضرب والدوس بالأقدام وهجمات الكلاب المكمّمة بالحديد.

وأوردت ذا غارديان أن وزير الأمن الإسرائيلي بن غفير ظهر في جولة تلفزيونية داخل السجن متفاخرًا بإعادة افتتاحه، قائلاً أمام الكاميرات: "هذا هو المكان الطبيعي للإرهابيين... تحت الأرض". وأشارت الصحيفة إلى أن السجن كان قد أُغلق عام 1985 بعدما وصفه مسؤولو مصلحة السجون آنذاك بأنه "غير إنساني إلى حد لا يُطاق"، قبل أن يُعاد تشغيله خصيصًا لاحتجاز الفلسطينيين بعد حرب غزة الأخيرة.

إذلال مُمنهج

وكشفت المحاميتان جِنان عبدو وسجا مشيرقي برانسي، من اللجنة العامة لمناهضة التعذيب، وهما أول من سُمح لهما بزيارة السجن منذ إعادة تشغيله، عن مشاهد مروّعة داخل المكان. تحدثتا عن درج متسخ يؤدي إلى قاعة تغص بالحشرات الميتة ومرحاض ملوث لا يُستخدم.

وقالت برانسي إنهما شاهدتا المعتقلين يُجبرون على الانحناء ورؤوسهم تُضغط على الأرض وهم مقيدون، مؤكدة أن ما يجري "يتجاوز الاحتجاز إلى إذلال مُمنهج". وأضافت أن أحد المعتقلين سألها فور اللقاء: "أين أنا ولماذا أنا هنا؟"، إذ لم يُبلَّغ حتى باسم السجن الذي يُحتجز فيه.

ووفق التقرير، فإن الممرض لم يرَ ضوء الشمس منذ 21 يناير الماضي، ولم يتلقَّ أي خبر عن عائلته منذ اعتقاله. وأبلغته المحامية مشيرقي فقط بأن والدته لا تزال على قيد الحياة، "لأن هذا هو الشيء الإنساني الوحيد الذي يمكن تقديمه له في هذا الجحيم"، على حد تعبيرها. أما الشاب المراهق، فطلب منها قبل الإفراج عنه في أكتوبر أن تزوره مرة أخرى، قائلاً: "أرجوكِ... تعالي لرؤيتي مرة أخرى".

وأشار المدير التنفيذي للجنة العامة لمناهضة التعذيب، تال شتاينر، إلى أن ظروف الاحتجاز في راكيفيت "قمعية وقاسية إلى درجة تُهدد التوازن النفسي والوظائف الحيوية الأساسية للإنسان"، محذرًا من أن غياب ضوء النهار يؤثر على الساعة البيولوجية وإنتاج فيتامين D والنوم والصحة العقلية.

في المقابل، امتنعت مصلحة السجون الإسرائيلية عن الرد على أسئلة ذا غارديان، مكتفية ببيان مقتضب قالت فيه إنها "تعمل وفقًا للقانون وتحت إشراف رسمي"، فيما أحالت وزارة العدل الأسئلة إلى الجيش الإسرائيلي الذي أعاد بدوره تحويلها إلى مصلحة السجون.

وبيّنت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب، استنادًا إلى بيانات رسمية، أن نحو مئة شخص لا يزالون محتجزين في السجن بعد اتفاق الهدنة منتصف أكتوبر، رغم الإفراج عن أكثر من 1900 معتقل فلسطيني.

وأكدت الصحيفة أن وثائق إسرائيلية سرية تشير إلى أن معظم من أُسروا في غزة خلال الحرب هم مدنيون، ما يثير تساؤلات قانونية حول شرعية هذا النوع من الاعتقال التعسفي.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة