تقرير خاص / شهاب
مع كل انخفاض في درجات الحرارة، يتجدد الألم في أجساد مبتوري الأطراف بقطاع غزة، ويتحوّل الشتاء من فصل قاسٍ بطبيعته إلى عامل يضاعف المعاناة الجسدية والنفسية لآلاف المصابين، فالبرد في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، لا يعني فقط شعورًا بالبرودة، بل يتحول لدى كثيرين إلى وجع حاد يوقظ ذاكرة الإصابة ويعيدهم إلى لحظة الفقد الأولى.
البطانيات لا تخفف الوجع
وتعكس حياة شيرين أبو الكاس (17 عامًا) من مدينة غزة جانبًا من المعاناة الخفية التي يعيشها مبتورو الأطراف خلال فصل الشتاء. فشيرين، التي فقدت كلتا ساقيها جراء قصف إسرائيلي طال منزل عائلتها، تعاني من إحساس قاسٍ بالبرد يتحول إلى ألم شديد مع انخفاض درجات الحرارة، رغم فقدانها للساقين.
وتقول شيرين إن البرد بالنسبة لها لا يقتصر على الشعور بالبرودة العامة، بل يتركز في موضع البتر، حيث تشعر بوخز وألم حاد يشتد في الليالي الباردة، ويصعب السيطرة عليه.
وتشير إلى أن هذا الإحساس يتفاقم مع بقائها لفترات طويلة على الكرسي المتحرك أو على فراشها، في ظل غياب وسائل تدفئة مناسبة.
وتوضح أن محاولات التدفئة التقليدية لا تخفف من هذا النوع من الألم، إذ يبقى الإحساس بالبرد ملازمًا لها حتى مع تغطية جسدها بالبطانيات، ما يجعل فصل الشتاء أحد أكثر الفصول قسوة عليها منذ إصابتها. وتلفت إلى أن هذا الألم يؤثر على نومها واستقرارها النفسي، ويجعلها تعيش حالة دائمة من التوتر والإرهاق.
وتجسد معاناة شيرين صورة أوسع لما يواجهه مبتورو الأطراف في غزة، حيث يتحول البرد إلى عامل مضاعف للألم الجسدي، في ظل غياب الرعاية الطبية والتأهيلية اللازمة، وانعدام وسائل التدفئة، ما يجعل فصل الشتاء تحديًا يوميًا لمن فقدوا أطرافهم بسبب الحرب.
في حين يقضي الطفل فهد قرموط (10 أعوام) ليالي طويلة من البكاء والصراخ كلما اشتد الصقيع في خيمة مهترئة بدير البلح، بسبب شعوره بألم حاد في موضع البتر حيث بُترت ساقه اليسرى خلال الحرب ، لا تخفف منه البطانيات القليلة التي تغطي جسده الصغير، ومع تسرب الهواء البارد إلى داخل الخيمة، يشتد وجعه، فتسارع والدته إلى احتضانه في محاولة لتهدئته، بينما تعجز عن حمايته من برد لا يرحم.
وتقول والدته إن الأسرة تحاول، قدر المستطاع، توفير الدفء عبر لفّ الخيمة بالنايلون وإشعال موقد فحم قريب منه، وهي وسائل اضطرت لاعتمادها منذ الشتاء الماضي. لكنها تشير إلى أن هذه المحاولات تبقى محفوفة بالمخاطر، في ظل الخوف الدائم من اشتعال الخيمة أو الاختناق بالدخان، خاصة مع ضيق المساحة وانعدام البدائل الآمنة.
بكاء متواصل
ولا تختلف معاناة فهد كثيرًا عن تجربة الطفلة آيات حميد (7 أعوام)، التي فقدت قدميها وأصبحت قعيدة كرسي متحرك منذ إصابتها خلال نزوحها من خان يونس في كانون الثاني الماضي.
يؤكد والدها أن البرد هذا العام فاقم آلام طفلته بشكل غير مسبوق، إذ باتت تبكي لساعات وهي تشكو من إحساس مؤلم في أطراف لم تعد موجودة. ويشير إلى أن جلوسها الدائم داخل الخيمة، في ظل غياب وسائل التدفئة، يجعل معاناتها اليومية أكثر قسوة.
وفي تفسيره الطبي لهذه المعاناة، يؤكد الطبيب محمد أبو عاصي، المختص بأمراض الجهاز العصبي، أن شعور مبتوري الأطراف بالبرد المصحوب بالألم يُعرف طبيًا باسم "ألم الطرف الوهمي".
ويعزو ذلك إلى اضطراب إشارات الأعصاب التي كانت تغذي الطرف المبتور، حيث يفسر الدماغ هذه الإشارات على شكل إحساس بالبرد أو الوخز أو الحرق أو الألم الشديد.
ويضيف أبو عاصي أن انخفاض درجات الحرارة يؤدي إلى تقلص الأوعية الدموية وضعف تدفق الدم ونقص الأوكسجين، فضلًا عن زيادة حساسية النهايات العصبية، ما يفاقم الألم لدى المصابين. وينصح بتدفئة موضع البتر قدر الإمكان، إلى جانب العلاج الطبيعي وجلسات تحفيز الأعصاب، وهي خدمات بات الوصول إليها محدودًا للغاية في غزة.
دفع ثمن الحرب
وبحسب تصريح صحفي للمفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليب لازاريني ، فأن قطاع غزة أصبح اليوم يضم أكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، نتيجة الحرب التي خلّفت عشرات الآلاف من المصابين بإعاقات دائمة.
وأكد أن عددًا غير مسبوق من الأطفال فقدوا أطرافهم في ظل انهيار شبه كامل للنظام الصحي، وصعوبة حصول المصابين على العلاج والرعاية وإعادة التأهيل اللازمة.
ووفق بيان مشترك صادر عن أونروا ومنظمة الصحة العالمية، فإن نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة أصيبوا بإعاقات دائمة غيّرت مجرى حياتهم، بينهم طفل من كل أربعة أطفال، نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة.
وأشار لازاريني إلى أن الدمار الواسع الذي لحق بالمنشآت الصحية وانهيار النظام الطبي زادا من معاناة المصابين، لا سيما الأطفال، وحالا دون تلقيهم الرعاية الطبية والخدمات التأهيلية الضرورية.
وبين الألم الجسدي والبرد القارس وانهيار الخدمات، يواجه مبتورو الأطراف في غزة شتاءً قاسيًا داخل خيام لا تقي من الصقيع ولا تحفظ الكرامة الإنسانية. فهؤلاء الذين نجوا من الموت، يواصلون دفع ثمن الحرب يومًا بعد يوم، في معركة صامتة مع الألم، وسط واقع صحي وإنساني يزداد قسوة مع كل انخفاض جديد في درجات الحرارة
وفي مراكز النزوح، تتخذ معاناة مبتوري الأطراف بعدًا أكثر قسوة مع حلول الليل، حين يشتد البرد وتغيب أي إمكانية للحماية. ويقول محمود منصور، منسق أحد مخيمات النزوح في مواصي خان يونس، إن الخيام “غير مهيأة إطلاقًا للعيش الآدمي في فصل الشتاء”، موضحًا أن البرد لا يقتصر على ساعات الليل، بل يلازم النازحين طوال اليوم بسبب الأرضيات الرملية الباردة وتسرب الهواء إلى داخل الخيام بشكل دائم.
ويضيف منصور أن ذوي الإعاقة ومبتوري الأطراف هم الفئة الأكثر تضررًا داخل المخيم، إذ يواجهون صعوبة مضاعفة في الحركة، خاصة خلال الليل، عندما يضطرون لاستخدام الحمّامات العامة البعيدة عن الخيام. ويشير إلى أن كثيرين منهم يتجنبون الخروج ليلًا رغم حاجتهم لذلك، خوفًا من البرد الشديد أو السقوط على الأرض غير الممهدة، ما يزيد من معاناتهم الجسدية والنفسية.
ويوضح أن الحمّامات العامة نفسها تفتقر لأبسط مقومات الخصوصية والدفء، حيث تكون الأرضيات مبللة وباردة، ما يجعل استخدامها تجربة قاسية على مبتوري الأطراف، خصوصًا الأطفال والنساء. ويؤكد أن التعرض المفاجئ للبرد أثناء الانتقال من الخيمة إلى الحمّام، ثم العودة مجددًا، يؤدي إلى تفاقم آلام مواضع البتر، ويحوّل الحاجة الطبيعية إلى عبء يومي مؤلم.
ألم لا يهدأ
ويتابع منصور أن معظم العائلات تضطر لإشعال مواقد الفحم داخل الخيام ليلًا، في محاولة لتخفيف وطأة البرد على أطفالها ومصابيها، رغم إدراكها لمخاطر الحريق أو الاختناق.
ويشير إلى أن هذه الخيارات القسرية تعكس حجم العجز داخل المخيمات، حيث لا تتوفر أي بدائل آمنة أو خيام معزولة أو تجهيزات خاصة بذوي الإعاقة.
ويؤكد منسق المخيم أن معاناة مبتوري الأطراف لا تتوقف عند حدود الألم الجسدي، بل تمتد إلى انتهاك يومي لكرامتهم الإنسانية، في ظل اضطرارهم للتأقلم مع ظروف لا تراعي وضعهم الصحي أو احتياجاتهم الخاصة.
ويختم بالقول إن فصل الشتاء يكشف هشاشة الواقع الإنساني داخل مراكز النزوح، حيث يتحول البرد إلى اختبار قاسٍ للصبر والقدرة على الاحتمال، لا سيما بالنسبة للأطفال مبتوري الأطراف الذين يعيشون ليلهم ونهارهم في مواجهة ألم لا يهدأ.
.
