تقرير خاص / شهاب
منذ أكثر من عامين، يتحول أبسط شيء في حياة أصحاب المهن التي تعتمد على الهواتف والكمبيوتر والإنترنت إلى تحدٍّ يومي، بل معركة مستمرة مع بدائل الكهرباء المتاحة، كالمولدات محلية أو الطاقة الشمسية، إذ من الممكن أن تتوقف هذه البدائل في ظل غياب دخول الوقود أو الأعطال الفنية، و بدخول الشتاء والمنخفضات الجوية، تفقد الطاقة الشمسية فعاليتها مع قصر ساعات النهار وغياب الشمس، مما يقلل قدرتهم على العمل والإنتاج ، بما لا يفي مع التزاماتهم مع أعمالهم ، ما يجعل كل ساعة تمر صراعًا مع الطبيعة ولقمة العيش.
معركة مع محدودية الموارد
إذ يضطر الباحث عبد الله شرشرة لأداء مهامه من خلال البحث عن بدائل مؤقتة للإنترنت، سواء عبر بطاقات محدودة الوقت أو الاعتماد على مولدات محلية لا تكفي جميع الأجهزة. أما الطاقة الشمسية، التي تمثل أملًا للكثيرين، فهي غير موثوقة، خصوصًا في فصل الشتاء، حيث قصر النهار والأيام الممطرة يضعف شحن الألواح بشكل كبير.
ويضيف شرشرة أن ساعات العمل الفعلية محدودة جدًا: اليوم فعليًا لا يمتد إلا من 9 صباحًا حتى 3 عصرًا، خلال فترة سطوع الشمس. بعد ذلك، تنقطع الكهرباء تدريجيًا، ويصبح تشغيل الهواتف وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت شبه مستحيل.
ويضيف في الوقت ذاته أن متطلبات الحياة والعمل تزداد، بينما ساعات الطوارئ التي لا يفهمها إلا أهل غزة تجعل كل ساعة تمر كأنها معركة مع محدودية الموارد الطبيعية والقيود التقنية، وسط اعتماد شبه كامل على مولدات محلية غير قادرة على تغطية كل الاحتياجات.
يؤكد شرشرة أن هذا الوضع يحوّل الإنتاجية اليومية إلى تحدٍ مستمر حتى لو كنت قادرًا على إنجاز مهامك في ساعات النهار، فإن النقص المستمر في الكهرباء يحد من قدرتك على الكتابة أو البحث أو متابعة أي مشروع رقمي، ويجعل كل يوم صراعًا جديدًا بين ما يجب إنجازه وما تفرضه الطبيعة والظروف التقنية.
في حين يشير ضياء حماد ، الذي يعمل عبر الإنترنت كـ"فري لانس"، أن فصل الشتاء للسنة الثالثة على التوالي بغزة يعني انعدام الدخل، حيث تتقلص ساعات العمل الفعّالة بسبب قصر النهار وضعف شحن الألواح الشمسية في الأيام الممطرة والغائمة، ما يضطر أحيانًا للتخلي عن مشاريع أو تأجيل تسليمها.
ويضيف أن تكاليف استخدام مساحات العمل ارتفعت من 70 إلى 150 دولارًا شهريًا، وهو مبلغ مرتفع جراء تغول الأسعار في كل مناحي الحياة، في حين لا يزال الاعتماد على الكهرباء الحكومية "الحقيقة" معدومًا، ما يجعل الإنتاجية اليومية تتراجع بشكل ملموس ويضاعف الضغوط الاقتصادية على كافة العاملين في مجالات التقنيات والصحافة والتسويق.
شللاً شبه كامل
أما الصحفية مريهان أبو لبن فتضطر في ظل انعدام الكهرباء المستمر إلى دفع أسعار مضاعفة لأصحاب محلات الشحن، ما يزيد من العبء الاقتصادي على عائلتها وسط ظروف صعبة تعصف بمعيشة كل سكان قطاع غزة التي غيرت الحرب مجرى حياتهم بقسوة .
وتشير إلى أن الأزمة مستمرة للسنة الثالثة على التوالي حتى بات طلوع الشمس بالنسبة لهم حلمًا يخفف من معاناتهم اليومية، موضحة أنهم يهدرون مئات الساعات يوميًا في انتظار شحن الهاتف أو جهاز الكمبيوتر، حيث يُجبرون على العمل وفق جدول صاحب نقطة الشحن أو المولد الكهربائي.
وبحسب شركة توزيع كهرباء غزة، فإن القطاع حُرم منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء، مقدّرة خسائرها الأولية بأكثر من 728 مليون دولار جراء التدمير الممنهج للبنية التحتية من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وبيّنت الشركة أن احتياج غزة للكهرباء يتراوح بين 400 و500 ميغاواط، ويصل إلى 600 ميغاواط في ذروة الاستهلاك شتاءً وصيفًا، فيما كان لا يتوفر للمحطة من مختلف المصادر أقل من 250 ميغاواط في أحسن الظروف، ما أدى إلى عجز دائم بين 50% و70%، مشيرة إلى أن توقف محطة التوليد بشكل كامل مع العدوان الأخير تسبب في انقطاع شامل للكهرباء عن قطاع غزة.
يقول مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع الكهرباء في غزة، محمد ثابت، إن الطاقة الكهربائية هي الرافعة الأساسية للحياة، وتدمير شبكتها يعني شللاً شبه كامل لمختلف مناحي الحياة في القطاع، وتعطّل الخدمات المقدمة للمواطنين على جميع المستويات، إضافة إلى توقف غالبية المرافق الحيوية.
ويضيف أن "الخسائر المُعلَن عنها حتى الآن تُعد أولية، إذ لم تتمكن طواقم الشركة من إحصاء الأضرار بشكل كامل نتيجة عجزها عن الوصول إلى جميع المناطق بسبب سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات واسعة من قطاع غزة".
ويشير محمد ثابت إلى أن الخسائر التي جرى حصرها تقتصر على قطاع التوزيع فقط، بينما لو شملت التقديرات قطاعي التوليد والنقل لفاقت الأرقام المعلَنة ثلاثة أضعاف.
ويؤكد أن الشركة تواجه تحديات جسيمة أبرزها إغلاق المعابر والقيود المفروضة على إدخال المعدات اللازمة، فضلًا عن محدودية الموارد المالية الناجمة عن خسائر فادحة طالت معداتها وآلياتها ومحوّلاتها وأدواتها.
من جانبه يقول الاقتصادى أحمد أبو قمر إن أسعار السلع المرتبطة بالكهرباء شهدت ارتفاعًا كبيرًا تراوح بين 30% و50%، بينما تضاعفت أسعار بعض السلع لتصل إلى 100%، نتيجة الاعتماد على الكهرباء البديلة القائمة على تشغيل المولدات بالسولار مرتفع التكلفة، وهو عبء يقع بالدرجة الأولى على كاهل المواطن.
وأضاف أبو قمر أن انقطاع الكهرباء تسبب في فقدان آلاف الوظائف، كما أدى إلى تراجع الناتج المحلي وتوقف العديد من المشاريع الاقتصادية الناشئة والناجحة.
ضغط النفسي والمالي
وتُقدَّر الخسائر اليومية لقطاع غزة جراء انقطاع الكهرباء بأكثر من نصف مليون دولار، في حين يضطر المواطنون لتحمّل أعباء إضافية يومية تتمثل في البحث عن بدائل للطاقة مثل الحطب والسولار وألواح الطاقة الشمسية والبطاريات، فكل أسرة تحتاج ما بين 200 و300 دولار شهريًا لتعويض النقص الناجم عن انقطاع الكهرباء.
من جهته، أشار رئيس قسم علم النفس في جامعة الأقصى بغزة، عبد الله الخطيب، إلى أن تدمير شبكة الكهرباء وانقطاعها يضع المواطنين تحت ضغط نفسي دائم بسبب غياب الكهرباء وتداعياته على تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية وصولًا إلى فقدان الأمن والاستقرار.
وأوضح أن "هذا الانقطاع يضاعف مشاعر العزلة والإحباط، ويعطّل الأعمال والدراسة والأنشطة اليومية، تاركًا الأفراد في حالة من الضياع وفقدان الإحساس بالوقت والتنظيم".
وقال الخطيب: "إن الضغط النفسي والمالي الناتج عن الحاجة لتأمين بدائل كهربائية يخلق توترات داخل الأسر ويزيد من حدة الخلافات العائلية، كما يحدّ من اللقاءات الاجتماعية والتواصل، ويدفع الأفراد إلى مزيد من العزلة داخل منازلهم".
وشدّد على الآثار السلبية الواسعة لانقطاع الكهرباء، والتي تطال الصحة العامة والتعليم وقطاع المياه، إلى جانب تعميق مظاهر الفقر والهشاشة الاجتماعية، وتوسيع الفجوة بين الطبقات، وتعزيز مشاعر الحرمان والظلم.
