خاص _ شهاب
في قطاع غزة المنهك، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت وطأة دمار هائل ومعاناة إنسانية مستمرة، يبرز صمود الشعب الفلسطيني كرمز أسطوري للإصرار على الحياة رغم التحديات الجسيمة.
ومع دخول عام 2026، بعد وقف إطلاق نار هش في أكتوبر 2025، يواجه السكان ظروفاً قاسية تشمل نزوحاً واسعاً، نقصاً في الغذاء والمياه، وانهياراً في البنية التحتية، لكنهم يتمسكون بالأمل من خلال العودة إلى أرضهم، زراعة ما تبقى من تربة، وإعادة بناء حياتهم اليومية وسط الركام.
المواطن محمد أحمد نصير (44 عاماً) يعيش قصة إنسانية تختصر معاناة آلاف الفلسطينيين وصمودهم، فقد محمد منزله وساقه اليسرى في قصف "إسرائيلي" عنيف، لكنه يتحدى الإعاقة والنزوح بزراعة الخضراوات في قطعة أرض صغيرة أمام خيمته، آملاً في السفر للعلاج واستعادة جزء من حريته المفقودة.
قبل الحرب، كانت حياة محمد مستقرة ومزدهرة، يقول لوكالة "شهاب"، بصوت يعكس الحنين: "كانت حياتي فوق الريح.. عندي منجرة ومعرض، وما شاء الله لا لم أكن بحاجة أي شيء، بيوتنا بخير، ولادنا بيتعلموا، بنروح على شغلنا وبنيجي، بنعيش زي الناس".
وتابع حديثه "لكن كل ذلك انهار في لحظة"، في 22 نوفمبر 2023، أثناء تواجده في مستشفى الإندونيسي شمال غزة، تعرض لقصف مباشر، وأوضح قائلًا: "اقتحم الاحتلال مستشفى الإندونيسي مرة وحدة، قصفونا ورمونا في الساحات وقعدنا تقريبًا أسبوع مرمين على الأرض".
يروي محمد قصته "نزفت لساعات طويلة، ووصلت إلى مستشفى كمال عدوان في حالة حرجة، حتى اعتقد الأطباء أني فارقت الحياة".
وفي حديثه الحزين قال: "وصلت للكفن وطلعوا يدفنوني، والحمد لله عادت لي الروح بفضل من الله وتم علاجي في تلك المرحلة".
بعد أسبوع من إصابته، نقل إلى الجنوب، لكن الإصابة في ساقه تفاقمت بسبب حبس الدم، مما اضطر الأطباء لبترها، ولم تتوقف المعاناة عند ذلك؛ ففي بطنه شظايا من هاتفه الذي انفجر أثناء القصف، تسبب له آلاماً مستمرة تحول دون حركته بحرية، "إذا بدي أتحرك أكثر من المستطاع، بسقط على الأرض.. نفسي يتقطع وأشهر بالتعب".
نزح محمد وعائلته مرات عديدة، من الشمال إلى الجنوب، ثم إلى براكسات الوكالة، في خان يونس، ثم إلى دير البلح، وأخيراً العودة إلى خيمة في غزة.
اليوم، يعيش محمد في "إعدام كامل"، كما يصفه: لا عمل، لا دخل، وصعوبة في توفير احتياجات أطفاله، "الولد بيروح على التكية بموت، وبيجيب المي، وبيدور على نايلون للنار.. هي حياتنا، لا معين إلا الله".
رغم كل ذلك، يرفض محمد الاستسلام، يستغل قطعة أرض صغيرة لزراعة الخضراوات الموسيمية، صيفاً وشتاءً، "بتشغل في شوية الزراعة، بنوكل منها، والحمد لله.. مشينا حالنا فيها على قدر الإمكان"، هذه الزراعة رمز للأمل والتمسك بالحياة كما وصفها محمد.
يحلم محمد بالسفر للعلاج خارج غزة، لتركيب طرف اصطناعي يعيد له القدرة على المشي والعمل، "بنتمنى من الله نسافر ونشوف حياتنا بعد ما نتعالج.. بنرجع شي بسيط، بس لو بنمشي شوي شوي، عارفين حالنا مش هنقدر نعيش زي ما كنا، بس على قدر الإمكان.. برضه بنضل بشر وبدنا نعيش حياتنا".
في ظل حرب مستمرة ومعاناة لا تنتهي، يبقى محمد نصير شاهداً على عزيمة الإنسان الفلسطيني، الذي يزرع الأمل وسط الدمار، رغم العالم الصامت تجاه معاناة آلاف الفلسطينيين.
