غزة – وسام البردويل
شكلت الأزمة الليبية لقمة سائغة للتدخلات الأجنبية، فبعد تدخل الناتو ضد نظام القذافي؛ لصالح الثوار، استنجدت مختلف الأطراف الليبية المتصارعة بعدة دول أجنبية كلٌّ على حسب مصالحها بالبلاد، لتتحوّل ليبيا إلى ساحة صراع إقليمية، وكما أن الوضع حاليًّا ينذر بعودة تلك التدخلات.
ويرى مراقبون أن الوضع الليبي متشظٍّ وعناصره مبعثرة، فهناك ثلاث حكومات وثلاثة مجالس تشريعية، مع ما يقتضيه ذلك من وجود مؤسسات صورية تابعة لها، وكل حكومة منها تدعي السلطة رغم أنها لا تحكم ولا تسيطر ولكنها من حيث الشكل تشغل حيزا يمكن تمييزه في مشهد حبوب الغيزة(القمح) المبعثرة، ولكن الأكثر خطورة من ذلك هو وجود مليشيات وتشكيلات مسلحة.
ويقول أستاذ القانون الدولي الليبي صالح السنوسي إن هناك لملمة لأطرافه بواسطة أياد كثيرة، وثمة استعجال وتجاذب للأيدي، ذلك على ما يبدو هو حال المشهد السياسي الليبي في هذه المرحلة، وهو أنه يشبه "الغيزة" من عدة جوانب.
وأوضح السنوسي أن المليشيات والتشكيلات المسلحة تشكل بما يمتلكه كل منها من إمكانيات مهما كانت متواضعة عقبةً مسلحةً في مواجهة أي جيش وطني يريد أن يفرض هيبة الدولة التي تحدد هوية وشرعية من يحمل السلاح، ومن توكل إليه مهمة تحقيق الأمن وتطبيق القانون.
ويتابع" وما هو أخطر من ذلك هو أن كثيرا من هذه المليشيات والتشكيلات ارتبط بتنظيمات مسلحة عابرة للحدود، مصنفة إرهابية على مستوى العالم مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فاختلط الحابل المليشياوي المحلي بالنابل الإرهابي العالمي".
ونتيجة لهذا الخلط والتحالف يجعل هناك شبه استحالة في التمييز بين هذه الأطراف من قبل القوى التي تحاربها؛ فقد استفادت التنظيمات الإرهابية من هذا الخلط فتدثرت بعباءة المليشيات المحلية، دون أن تفقد هويتها أو تتخلى عن أطروحاتها.
ولفت أستاذ القانون الدولي إلى أن هذا الخلط والتحالف بين التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود وفصائل العنف المحلي أدى إلى تكاثر وتعدد الأيدي حول هذه "الغيزة" الليبية، فهذه التنظيمات تخوض حربا ممتدة عبر القارات مع معظم أمم الأرض ودولها، وبالتالي فإنه من البديهي أن تصبح الأرض الليبية جزءا من ميدان الصراع بين هذه التنظيمات الإرهابية والقوى الدولية، وأن تغدو ساحة للمطاردة والتعقب لكل من ينتمي إلى القاعدة وداعش.
ونبه إلى أنه إلى جانب تعارض مصالح وإستراتيجيات بعض هذه القوى الدولية، مما يجعل تلك التنظيمات حليفا ضمنيا أحيانا لهذه القوة الدولية أو تلك، وفي أحيان أخرى تستفيد داعش والقاعدة من أي دعم أو مؤازرة تحظى بها هذه المليشيات والتشكيلات المسلحة المحلية، مهما كانت شدة العداء بين القوة الداعمة وداعش أو القاعدة.
وتشهد ليبيا في الآونة الأخيرة جهودا ملحوظة على المستوى الدولي والمحلي، كان أخرها لقاء خليفة حفتر وفائز السراج في باريس، وما نتج عنه من بيان وردود أفعال ولقاءات مجلس البرلمان ومجلس الدولة في لاهاي وفي القاهرة، واللقاءات التي تجري بين القبائل والمدن، والدعوة إلى انعقاد مجلس النواب والتصويت على مشروع الدستور من قبل الهيئة التأسيسية.
ويرى السنوسي أن ما يجري يوحي بأن القوى الدولية ذات العلاقة بالوضع الليبي أخذت تضغط وتساعد، وتدفع نحو البحث عن حلول جادة، مما يعني أن محاولة لملمة أطراف تتعهدها وتشارك فيها أياد كثيرة دولية وإقليمية وليبية.
ويلفت إلى أن ثمة تجاذب للأيدي واستعجال؛ لم تعد القوى الدولية ذات المصالح المتضررة في ليبيا تتحمل المزيد من إطالة عمر الأزمة الليبية، فرغم الاختلاف في حجم وطبيعة هذه المصالح فإن هذه القوى ترى جميعها ضرورة لملمة هذه "الغيزة" المبعثرة في أقصر وقت ممكن.
ويشير أستاذ القانون الدولي إلى أن تداعياتها لها تأثيرات كارثية على دول الجوار شبه المستقرة، فالحدود الليبية المفتوحة أمام كل عابر معبر لمئات الآلاف من المهاجرين إلى أوروبا، وبوابة لاستقبال الآلاف من مقاتلي الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، لتجد في ليبيا الغنية بالبترول والمتشظية بين المليشيات والحكومات أفضل مكان لإعادة محاولة بناء مشروعها الذي هُزم عسكريا في العراق والشام.
ويبين أن الهجرة والإرهاب والبترول الليبي هي القضايا التي تلتقي فيها مصالح القوى الدولية والإقليمية ودول الجوار، كما يبدو أنها جميعها ترى أن الوضع الليبي بلغ من الخطورة على الجميع حدًّا لا يمكن تحمله، أو ترك مهمة البحث عن حلوله للأطراف الليبية فقط.
وتابع السنوسي" ولهذا فقد تسارعت حركة الأحداث داخل المشهد وتكاثرت الأيدي حول "الغيزة"، غير أن سرعة الحركة وتعدد الأيادي أدى إلى الاحتكاك والتجاذب على الصعيد الدولي والمحلي، فلكل مقاصده وطريقته في اللملمة".
وختم بالقول"لا شك في أن تداعي القوى الدولية والمجتمع الدولي وأطراف الأزمة الليبية لإيجاد حلول لها قابلة للحياة -في أسرع وقت ممكن- هو أمر يبشر بخير، ويتمناه غالب الليبيين الذين أصابهم الإحباط واليأس، ولكن هناك خوف مبرر من تعدد الأيدي واختلاف طرقها ومقاصدها، وخشية من أن سرعة التزاحم والاستعجال قد يؤدي إلى التصادم بين الكثير من هذه الأيدي بينما تظل حبوب "الغيزة" مبعثرة".
