غزة – محمد هنية
انفضّ المجلس المركزي الانفصالي في رام الله بعد يومين من الانعقاد الذي غلب على حضوره قيادات فتح والجبهة الديمقراطية وفصائل رصيد تأييدها "صفر" وفق نتائج الانتخابات التشريعية عام 2006، مع انسحاب حزب الشعب، وغياب كبرى الفصائل الفلسطينية أبرزها حماس التي حازت على أغلبية شعبية في آخر انتخابات تشريعية فلسطينية.
وبعد يوم من اختتام المجلس أصدر بيانه الذي قرأه عضو مركزية فتح عزام الأحمد والذي حاز على مقعد في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ضمن جملة تعيينات أكدت "حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية" في بيان ثلاثي مشترك أنها غير شرعية داعية الجميع لعدم التعامل معها كونها شكّلت تجاوزاً لقرارات الإجماع الوطني.
المطالع للقرارات التي أعلنها الأحمد، لا يجد فيها فرقاً واحداً عن قرارات المجلس المركزي الذي عقد عام 2018، والتي بقيت حبراّ على ورق بشواهد كثيرة سيتم ذكرها في هذا التقرير.
ومما أعلنه الأحمد في قرارات المجلس الأخيرة، تعليق الاعتراف بإسرائيل وإنهاء التزامات السلطة الفلسطينية بكافة الاتفاقيات معها، لحين اعترافها بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وقال الأحمد إن المجلس يقرر إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بكافة الاتفاقيات مع سلطة الاحتلال -وفي مقدمتها الاعتراف بـ"دولة إسرائيل"- إلى حين اعترافها بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، ووقف الاستيطان. وأضاف أن المجلس قرر أيضا وقف التنسيق الأمني بأشكاله المختلفة.
وكلف المجلس المركزي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بالعمل على وضع الآليات المناسبة لتنفيذ قراراته، وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.
هي ذاتها القرارات التي نصّ عليها اجتماع المجلس المركزي عام 2018، وكان أبرزها أن الفترة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقيات الموقعة في أوسلو، والقاهرة، وواشنطن، بما انطوت عليه من التزامات لم تعد قائمة.
وكلّف المجلس آنذاك اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بتعليق الاعتراف بـ "إسرائيل" إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وإلغاء قرار ضم القدس الشرقية ووقف الاستيطان.
وجدد المجلس المركزي قراره بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله، وبالانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها اتفاق باريس الاقتصادي، وذلك لتحقيق استقلال الاقتصاد الوطني، والطلب من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومؤسسات دولة فلسطين البدء في تنفيذ ذلك.

""الاجتماع في رام الله والرد في نابلس"
وبعد بيان "الكوبي بيست" للمجلس المركزي الانفصالي، يتجدد السؤال، هل ستجد طريقها للتنفيذ؟ أم ستبقى حبراً على ورق؟!
الإجابة الأولى وصلت في ثاني أيام عقد المجلس الانفصالي في أحد شوارع نابلس، بتنفيذ قوة إسرائيلية خاصة عملية اغتيال لـ 3 شبان أطلقت على سيارتهم أكثر من 80 طلقة عند الساعة الواحدة ظهراً في وضح نهار أيام الضفة الغربية التي لا تزال حتى كتابة التقرير تشهد عمليات اقتحام ومواجهة.
فكان رد السلطة وحركة فتح الاستنكار لا الإدانة، لما أسمته "تحطيم صورة السلطة لدى الجمهور الفلسطيني" لا حدث الاغتيال نفسه، رغم أن المقاومين الثلاثة الذين اغتيلوا هم عناصر في كتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لفتح.
أشرف العجرمي القيادي في فتح والوزير السابق بالسلطة، قال لقناة إسرائيلية عقب العملية "هذه العملية تضع السلطة في وضع حرج جدا لأن عملية التنسيق الأمني من المفروض ألا تقوم إسرائيل بالدخول لمناطق سيطرة السلطة وإذا كان هناك مخاطر من عمليات من المفروض أن تبلغ السلطة بذلك".
وأضاف "ما تقوم به إسرائيل يحطم صورة السلطة لدى الجمهور الفلسطيني.. أما أن تحدث لقاءات وبعدها تقوم إسرائيل باستفزاز الشارع الفلسطيني وتقوم بالإساءة للسلطة من خلال الدخول لمناطق أ أعتقد أن هذه الصورة تسيء للسلطة وتضعها أمام الرأي العام ولا تحسن صورتها بأي شكل من الأشكال".
"أن تحدث لقاءات ثم تستفز "إسرائيل" الشارع الفلسطيني فهذا يسيء للسلطة ولا يُحسن صورتها"#شاهد | أشرف العجرمي القيادي في فتح والوزير السابق بالسلطة: إذا كانت "إسرائيل" قلقة من أحد عليها إبلاغ السلطة بذلك وسنتحرك.. لكن ما تقوم به "إسرائيل" تحطم صورة السلطة لدى الجمهور الفلسطيني pic.twitter.com/JnjJ0P5gVn
— وكالة شهاب للأنباء (@ShehabAgency) February 10, 2022
وفي ذات يوم التصريح كان التطبيق، حين تدخلت أجهزة أمن السلطة في الخليل لمنع المواطنين من مواجهة الاحتلال، في يوم من أيام الغضب الفلسطيني على الجريمة الإسرائيلية في نابلس.
بينما غابت عند اغتيال قوات الاحتلال لأبطال نابلس الثلاثة في وضح النهار..
أجهزة أمن السلطة تنتشر بمنطقة باب الزاوية في الخليل لمنع الشبان من المواجهة مع قوات الاحتلال pic.twitter.com/Xc2b8beBVR
— وكالة شهاب للأنباء (@ShehabAgency) February 9, 2022
ليس هذا فحسب، بل تدخلت أجهزة أمن السلطة في مخيم جنين وتعتقل وتلاحق المقاومين هناك، في عملية وصفها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي بـ "البديلة" لعملية كان سينفذها جيش الاحتلال في المخيم، "لكنها توقفت بسب الضغوط وأدخلت السلطة أجهزتها الأمنية إلى أزقة المخيِّم الضيقة، و«عملت ضد الإرهابيين هناك"، وفق كوخافي.
وأضاف " «إسرائيل حفَّزت أجهزة السلطة الأمنية، عبر التنسيق الأمني المستمر، ومارست ضغوطاً شديدة عليها. فأرسلت رجالها الذين في نهاية المطاف دخلوا إلى جنين وعملوا ضد المنظمات الإرهابية هناك. صادروا وسائل قتالية، واعتقلوا ناشطين كثيرين".
ويُعلق هنا مراسل «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، نير دفوري بالقول " هذه القصة تبرز أهمية الحفاظ على التنسيق الأمني مع الفلسطينيين".
شواهد ما قبل الاجتماع الانفصالي لا تختلف عن التي سبقتها، فهذه زيارة سرية من محمود عباس لوزير جيش الاحتلال بيني غانتس في منزله، أكد له فيها استمرار التنسيق الأمني وملاحقة المقاومين بالضفة الغربية، وهو اللقاء الأول الذي نجح عباس في الحصول عليه من وزراء حكومة الاحتلال الجديدة بعد رفض الكثير من المسؤولين الإسرائيليين لقاءه.
حسين الشيخ تبع عباس، فكان لقائه بوزير خارجية الاحتلال يائير لابيد، وهو اللقاء الثاني للأخير مع المرشح الثاني لخلافة عباس بعد الشيخ، عقب لقاء لابيد بماجد فرج رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية.
وتأتي هذه اللقاءات في ظل الحديث عن صراع أقطاب فتح لخلافة رئيس السلطة محمود عباس، ويعد حسين الشيخ أبرز الوجوه المتوقع خلافتها لعباس وفق الإعلام العبري الذي وصفه بـ "الخيار المفضل لإسرائيل".
حبرٌ على ورق
ورغم تشابه قرارات مجالس محمود عباس، إلا أن التنسيق الأمني يجري على قدم وساق في ظل تأكيد المراقبين على استحالة تطبيق السلطة لقرارات وقف التنسيق لأسباب عديدة، منها ما ذكره التقرير الاستراتيجي لمركز الزيتونة للدراسات، "بأن السلطة مقتنعة بعدم قدرتها على تحمل الثمن الباهظ الذي قد تدفعه نتيجة لذلك، سواء على الصعيد الخارجي أم الداخلي".
وقال التقرير "هناك سؤالاً مطروحاً داخل قيادة السلطة الفلسطينية نفسها، يتعلق بالموازنة بين المكاسب والخسائر المترتبة على استمرار التنسيق الأمني، في ضوء إصرار "إسرائيل" على أن تقتصر السلطة الفلسطينية على صفة وظيفية، تقدم للاحتلال الأمن دون مقابل، ودون السماح لها بتحقيق أي قدر من المكاسب أو المنجزات على طريق تحقيق حلم بناء الدولة المنشودة".
ويتمسك الاحتلال بالتنسيق الأمني كملف وحيد يقابله منح بعض الامتيازات لمسؤولي السلطة ومكاسب تستطيع فيها "إسرائيل" ليّ ذراع السلطة عند مجرد التفكير بوقف التنسيق الأمني.
وفي تصريح سابق، أوضح رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) تمير هايمن، أهمية التنسيق الأمني للاحتلال بالقول إن "إسرائيل لن تشهد استقرارا أمنيا في الضفة الغربية دون التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، وتعزيز ذلك بتسهيلات اقتصادية للحفاظ على المؤسسات الفلسطينية".
ويأخذ التنسيق الأمني عدة أشكال من بينها تسيير دوريات عسكرية فلسطينية وإسرائيلية معا لضبط الأمن داخل المناطق الفلسطينية، عبر ملاحقة سلاح المقاومة واعتقال من يشتبه بوجود نوايا لديهم لتنفيذ عمليات ضد الطرف الإسرائيلي.
وينفي مسؤولين في السلطة وقادة فتح في تصريحات مختلفة وقف التنسيق الأمني، منهم عباس زكي عضو اللجنة المركزية الذي أكد في تصريحات صحفية سابقة "ان التنسيق الأمني مع إسرائيل لم يتوقف بشكل رسمي رغم وجود توصيات من المجلس المركزي بذلك، ولكن إسرائيل بعد العمليات الأخيرة قررت اتخاذ خطوة من طرف واحد بالدخول للمناطق الفلسطينية للبحث عن المطلوبين أو المشتبه بهم، دون أن يتم التنسيق مع الطرف الفلسطيني لتنفيذ هذا الإجراء"، حصل هذا عام 2018.
محاولة النهوض
وفي محاولة لإعادة ضبط المشهد الفلسطيني في ظل حالة التفرد، دعت الفصائل الفلسطينية الثلاث الوازنة في الشارع الفلسطيني حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، القيادة المتنفذة للتراجع عن النهج المتفرد والمهيمن على المؤسسة والقرار الوطني، والتقدم نحو وحدة وطنية حقيقية وتنفيذ مخرجات وقرارات الإجماع الوطني.
وفي الوقت نفسه، دعت الفصائل الثلاث إلى البدء بحوار وطني جاد على مستوى الأمناء العامين للاتفاق على تشكيل مجلس وطني انتقالي جديد يضم الجميع، ويمهد لإجراء الانتخابات الشاملة، ما يساهم سريعاً في إصلاح منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد الشعب الفلسطيني.
وشددت على أنه لا عودة لمسار أوسلو، والارتهان بمسار التسوية، فالمقاومة قانون التعامل مع العدو المحتل، وندعو فوراً إلى تشكيل القيادة الموحدة للمقاومة الشعبية
وأكدت الفصائل أنها ومعها مكونات سياسية ومدنية ومجتمعية وشخصيات وطنية في حالة تشاور مستمر للبحث في سبل النهوض بالحالة الوطنية، وتحقيق الوحدة والشراكة لإنجاز المصالحة.
