صلاح البردويل

ذكريات وعلامات استفهام ووجع!!

في مثل هذه الأيام قبل خمس وخمسين سنة كنا أطفالا في الابتدائية، نهيم مع أهلنا في أحراش خان يونس؛ نتضور جوعًا، ونأكل مما تبقى من عجر تفاح المواصي، لكن عيوننا كانت على حفنة طحين خاطر أبي رحمة الله عليه؛ وتسلل تحت القصف الى حطام بيتنا في المخيم لعله يعثر عليها ليطعم بها صغاره.

بالفعل وفقه الله وعاد الينا بربع كيس من الطحين، فتصارخنا فرحا، وتصارخ معنا أطفال الجيران، عندما بدأت أمي رحمة الله عليها تخبز ما عجنت على صفيحة من حديد عثرنا عليها هناك.

وعندما بدأت رائحة الخبز تجتاح أعماقنا الصغيرة الجائعة، اذ بأربعة من الجنود المصريين الذين بدا عليهم الاجهاد والتعب والجوع والحالة المعنوية المنهارة يمرون من جانبنا، باحثين عن شيء يأكلونه، وكان أحدهم يحاول تلطيف الجو ممازحا أصحابه وهو يلتقط حبة تفاح عجرة، ويقول بلهجته: كلوا "دي أكلة الموت"، ويكررها، وكانت أمي على وشك أن توزع علينا وعلى أطفال جيراننا اللقيمات  ونحن ننتظر على أحر من جمر النار، واذا بها تطوي أرغفة الخبز، وتشير إلى والدي الذي لم يتردد في تناول الأرغفة منها واعطائها للجنود المصريين، فتناول أحدهم الخبز شاكرا، ومدّ يده على محفظته، واستلّ منها أربعة جنيهات مصرية لم يكن معه غيرها، ليعطيها لوالدي بلطف وهو يقول: خذوها، لا تلزمنا، ما بيننا وبين الموت ساعات!، ولكن والدي رفض ذلك ودموعه في عينيه وهو يردد وأمي كذلك: بعيد الشر عنكم، الله يحميكم، وترجعون لأهلكم و بلدكم سالمين!.

الصورة لا زالت محفورة في ذاكرتي!

 هذه هي علاقتنا بإخواننا المصريين!!

فماذا حدث بعد ذلك؟

استحضر هذه الصورة اليوم فتدوي في كل اتجاه علامات استفهام بحجم الحسرة والوجع!!

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة