تقرير – شهاب
من بين الحجارة القديمة المدمرة، وتحت قباب ومآذن ما زالت تحمل آثار القصف، ارتفع الأذان مجددًا في المسجد العمري الكبير، أقدم مساجد مدينة غزة وأحد أبرز معالمها التاريخية، معلنًا عودة الصلاة إليه بعد انقطاع قسري طويل فرضه الدمار الذي خلّفته الحرب.
وفي مشهدٍ امتزجت فيه الدموع بالتكبير، أدى آلاف الفلسطينيين صلاة الجمعة في باحات المسجد العمري، أمس، في خطوة رمزية أعادت للحجر روحه، وللمكان قدسيته، وللغزيين جزءًا من ذاكرتهم التي حاولت آلة الحرب طمسها.
كما استعادت البلدة القديمة في غزة، التي اعتادت أن تنبض بالحياة حول المسجد العمري، شيئا من روحها مع افتتاح المسجد رسميا، واحتشاد المصلين لأداء أول صلاة جمعة منذ ترميمه.
ويُعدّ المسجد العمري أحد أهم المساجد وأقدمها في فلسطين، وأول مساجد قطاع غزة وأكبرها وأعرقها، ويقع في حي الدرج، وله تاريخ كبير، يعود إلى أكثر من 3 آلاف سنة، وهو ملاصق لسوق القيسارية التاريخي، وهو ضخم البناء والقيمة الأثرية وجميل الشكل والهندسة، تقام فيه الصلوات ويدرس فيه المدرسون، وبجانبه مكتبة عامرة منذ القدم.
وكانت طائرات الاحتلال قد أطلقت، في بداية الحرب، قرابة سبعة صواريخ ثقيلة على المسجد التاريخي الأثري، مما أدى لتدمير أجزاء واسعة منه.
ويُشار إلى أن هذه هي المرة الثانية التي يُقصف فيها المسجد العمري؛ إذ كانت القوات الإنجليزية قد قصفته بقذائف الهاون عام 1914، ما أدى إلى تدمير مئذنته وتسبّب في بعض الأضرار، قبل أن يتم ترميمه لاحقًا.
في أجواء إيمانية رائعة.. غزيون يستعدون لأداء صلاة الجمعة بتلاوة القرآن الكريم، وأداء المدائح النبوية، داخل خيمة نصبت وسط ركام المسجد العمري الكبير. pic.twitter.com/myR4ELZJJ5
— مجلة ميم.. مِرآتنا (@Meemmag) December 26, 2025
واجهة غزة الأثرية
الكاتب والمؤرخ الفلسطيني عبدالله عليان، قال المسجد العمري الكبير الذي يُعد أحد أقدم وأكبر مساجد فلسطين التاريخية، التي كان عبارة عن معبد وثني ثم تحول لكنيسة ثم لمسجد في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، ثم أعاد الصليبيين احتلال غزة فترة من الزمن ثم حررها صلاح الدين الأيوبي وبعد ذلك المماليك، وبقي المسجد صحيح البناء حتى الحرب العالمية الأولى حيث دمر البريطانيين جزء كبير من المسجد خاصة المئذنة والقباب والسقف.
وأضاف عليان في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن المجلس الإسلامي الأعلى قام بعد ذلك بترميم المسجد عام 1926م، ثم قام الاحتلال بتدمير معظم المسجد الذي يعتبر من أكبر مساجد فلسطين مساحة والتي تقدر بـ1400 متر مربع.
وأشار إلى أن صحن المسجد يتوسطه عبارة عن بقايا الكنيسة القديمة وباقي البناء بنيت في عدة عهود إسلامية خاصة العهدين المملوكي والعثماني.
ولفت المؤرخ عليان أن معظم المباني والأماكن الأثرية في قطاع غزة دمرها الاحتلال بشكل ممنهج ومدروس.
وتمكّنت مجموعةٌ شبابية من تنظيف الساحة الشمالية المكشوفة من المسجد، والتي أُقيمت فيها الصلاة، كما تمكّن المصلّون من الوصول إلى المسجد العمري عبر البوابة الشمالية، وهي البوابة الوحيدة التي لم تُدمَّر من أصل ستّ بوابات.
وبحسب المصلين، فإن المسجد العمري يعد شاهدا حيا على تاريخ غزة العريق، الذي يمثل رمزا للبلدة القديمة، بما يحيط به من آثار ومعمار إسلامي فريد، جعل منه مقصدا للمناسبات الدينية على مدار العام، وفضاء روحانيا تتجلى فيه ليالي رمضان وقيامها بنكهة تعيد للأذهان تاريخ فلسطين وغزة العميق.
وقال أحد المصلين إن إعادة افتتاح المسجد مع بداية عام جديد تحمل دلالات خاصة، واصفا المسجد العمري بأنه من أكبر وأقدم المساجد وأكثرها عراقة، ودليل راسخ على جذور المسلمين في هذه الأرض، وعلى هوية غزة الدينية التي سبقت الاحتلال وكل محاولات الطمس والتغيير.
وأضاف مصلي آخر أن إعادة إعمار المسجد تمثل جهدا مباركا، مؤكدا أن العمري الكبير يشكل جزءا أصيلا من التراث الغزاوي والفلسطيني، وأن عودته إلى الحياة تعني الكثير لأهالي القطاع، ليس فقط بوصفه بيتا للعبادة، بل كمعلمٍ للهوية والذاكرة.
🔴 أُدّيت اليوم أول صلاة جمعة في المسجد العمري الكبير بمدينة غزة، بعد انقطاع دام قرابة عامين، عقب تدميره بشكل واسع خلال العدوان الإسرائيلي. وجاءت الصلاة في مشهد رمزي داخل باحات وأروقة لا تزال آثار القصف واضحة عليها، وسط مشاركة عشرات المصلين الذين تحدّوا الدمار وأعادوا إحياء أحد… pic.twitter.com/cYn3tculAP
— ساحات 🇵🇸 (@Sa7atPl) December 26, 2025
مراحل تاريخية
ومن جانبه، قال الشيخ طارق هنية، مراقب وزارة الأوقاف لإعادة ترميم المسجد العمري، إن المسجد مر عبر تاريخه الطويل بـ6 مراحل تاريخية متعاقبة، بدءا من كونه معبدا وثنيا، ثم كنيسة في فترات سابقة، قبل أن يتحول إلى مسجد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأضاف هنية أن المسجد تعرّض للتدمير أكثر من مرة عبر الحقب التاريخية المختلفة، على أيدي الصليبيين والبيزنطيين وغيرهم، وصولا إلى ما شهده في السنوات الأخيرة من اعتداءات ودمار.
وشدد على أن المسجد ظل صامدا بأهله ورواده، وبإصرار الناس البسطاء الذين واصلوا التمسك به رغم الحروب والسياسات القاسية.
وأشار إلى أن ما مر به المسجد يعكس طبيعة الصراع على هذه الأرض، مؤكدا أن إعادة افتتاحه اليوم ليست مجرد إنجاز هندسي أو عمراني، بل رسالة واضحة بأن الحياة الروحية في غزة أقوى من كل محاولات الإلغاء، وأن بيوت الله ستبقى عامرة بأهلها مهما اشتد الحصار والعدوان.
وفي سياق العدوان المستمر منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرّض قطاع غزة لدمار غير مسبوق طال البشر والحجر، بما في ذلك المعالم الدينية والتاريخية.
وبحسب مراقبون، فإن الاحتلال يحاول استهداف التاريخ الفلسطيني الذي يثبت به الفلسطينيون أحقيتهم بالأرض وكان شاهدًا على حضارات ودول عملاقة، في معركة الدفاع عن الهوية والقضية، لذلك يحاول في مخططاته محوها ليكون صاحب الأرض والسيادة.. ولن يكون.
وارتكبت حكومة الاحتلال منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
العمل مستمرٌ على قدم وساق في إنشاء وتجهيز مصلى المسجد العمري في قطاع غزة pic.twitter.com/eNyooFV36L
— تحدي الخير (@kha_irchallenge) December 25, 2025
