خاص _ شهاب
في تطور مثير أثار جدلاً واسعاً، كشف تحقيق استقصائي حديث عن تفاصيل عمليات نقل سرية لمئات الفلسطينيين من قطاع غزة إلى دول بعيدة مثل جنوب أفريقيا، تحت غطاء "المساعدة الإنسانية".
التحقيق، الذي أجراه فريق الجزيرة الرقمي وصحف "إسرائيلية" مثل "هآرتس"، يربط بين مؤسسة غامضة تُدعى "المجد أوروبا" (Al-Majd Europe) ورجل أعمال "إسرائيلي" يحمل الجنسية الإستونية، مما يثير اتهامات باستغلال اليأس الإنساني لتنفيذ مخطط "تهجير ناعم".
ما الذي يختبئ خلف هذه الرحلات الغامضة؟ وكيف تحولت "المساعدة الإنسانية" إلى أداة محتملة لتفريغ الأرض من أهلها؟، هذا التقرير، كشف عن تفاصيل الشبكة الخفية، والوجوه العاملة في الظل، وسلط الضوء على مخاطر هذه العمليات على مستقبل غزة وشعبها الصامد.
بداية القصة
بدأت القصة مع رحلة جوية غامضة هبطت في مطار "أور تامبو" الدولي بجوهانسبرغ في 13 نوفمبر 2025، تحمل 153 فلسطينياً من غزة، معظمهم عائلات، احتجزت السلطات الجنوب أفريقية الركاب داخل الطائرة لساعات طويلة بسبب عدم وجود أختام خروج رسمية في جوازات سفرهم، وعدم تقديمهم طلبات لجوء مسبقة.
في نهاية الأمر طلب الرئيس الجنوب أفريقي "سيريل رامافوزا" بدخولهم لأسباب إنسانية، لكنه أعلن فتح تحقيق رسمي، مشيراً إلى أن الرحلة بدت "كأنها عملية منظمة لإخراج الفلسطينيين من غزة"، وفقاً لشهادات الركاب، غادروا غزة عبر معبر كرم أبو سالم، حيث خضعوا لفحوصات أمنية "إسرائيلية"، ثم نُقلوا بحافلات إلى مطار رامون قرب إيلات، ومن هناك انطلقت رحلة مستأجرة عبر "نيروبي" في كينيا قبل الوصول إلى جوهانسبرغ.
يكشف التحقيق أن العديد منهم دفع مبالغ مالية تتراوح بين 1500 و5000 دولار للشخص الواحد مقابل "تسهيل الخروج"، ولم يعرفوا الوجهة النهائية إلا عند الهبوط، مؤسسة "المجد أوروبا"، واجهة إنسانية أم شركة وهمية؟.
أما في الحديث عن الشركة، تُقدم "المجد أوروبا" نفسها على موقعها الإلكتروني كمنظمة تأسست في ألمانيا عام 2010، متخصصة في مساعدة المسلمين في مناطق النزاع، مع ادعاءات بتقديم إغاثة في غزة، إلا أن التحقيقات كشفت أنها غير مسجلة رسمياً، وأن صور أنشطتها الطبية المزعومة في غزة مأخوذة من مصادر أخرى، مثل خيمة تابعة للمستشفى الكويتي جنوب قطاع غزة.
وفي السياق ذاته، أكدت صحيفة "هآرتس" أن مؤسسة المجد مرتبطة بشركة "تالنت غلوبوس" في إستونيا، يديرها رجل الأعمال الإسرائيلي-الإستوني "تومر يانار ليند"، ويعمل ليند في استشارات الهجرة، وأعلن على "لينكد إن" تركيزه على "جهود إنسانية لدعم الفلسطينيين"، مدعياً مساعدة في إجلاء أعداد كبيرة من غزة، كما يُظهر التحقيق تنسيقاً مباشراً بين "المجد" ووحدة "الهجرة الطوعية" في وزارة الحرب "الإسرائيلية"، التي أحالت قوائم الركاب إلى منسق الأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية (كوغات).
رحلات سابقة واتهامات بالتهجير القسري لم تكن رحلة جوهانسبرغ الأولى، في أكتوبر 2025، وصلت رحلة أخرى تحمل 176 فلسطينياً، وفي مايو 2025 نقلت رحلة 57 شخصاً إلى بودابست ثم إندونيسيا وماليزيا، جميعها انطلقت من مطار رامون، واستخدمت طائرات مستأجرة من شركات رومانية وجنوب أفريقية.
طرق متنوعة للتهجير
واتهم الدكتور صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، الاحتلال "الإسرائيلي" بمواصلة سياسة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن جزءًا أساسيًا من هذه السياسة يتمثل في تهجير السكان وجعل القطاع غير صالح للحياة.
وقال عبد العاطي في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، "لم يكن الهدف الأساسي من حرب الإبادة الجماعية تهجير سكان قطاع غزة فحسب، إنما جعل غزة منطقة غير صالحة للحياة وبلا سكان، ولتحقيق ذلك، يلجأ الاحتلال إلى كل الطرق، القتل، التدمير، التجويع، وعرقلة وصول المساعدات، كل ما يجعل الغزيين عاجزين عن البقاء داخل القطاع".
وأضاف أن جزءًا من هذه الاستراتيجية يتمثل في إنشاء مؤسسات أو وحدات لدى المنسق "الإسرائيلي" لتهجير الغزيين، ومن بينها "مؤسسة المجد" في أوروبا، التي عملت على تسهيل هجرة بعض سكان القطاع بطرق مخفية وعلنية.
وأكد عبد العاطي أن هذا النشاط يُعد مشاركة مباشرة في جريمة الإبادة الجماعية والتهجير القسري، حتى لو كان تحت غطاء إنساني مثل السفر للعلاج أو الدراسة، مشددًا على أن هذه الجريمة تستوجب محاسبة المؤسسة والقائمين عليها، إلى جانب محاسبة الاحتلال.
ودعا إلى تعزيز صمود المواطنين في غزة من خلال الضغط الدولي لتثبيت وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات الإنسانية، إعادة الإعمار، وتعويض السكان، كأساس لمنع هذه الجرائم.
وختم تصريحه بدعوة إلى التوحد الوطني الفلسطيني السريع لإدارة المرحلة الانتقالية، تقليل المخاطر، والاستفادة من الفرص لإعادة بناء القطاع وتعافي سكانه.
سياسة قديمة حديثة
وفي السياق ذاته، قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني نظير مجلي، إن شركة مسجلة في إستونيا، يملكها شخص "إسرائيلي" الأصل، ولها جذور إسرائيلية واضحة، تورطت في عمليات نقل فلسطينيين من قطاع غزة إلى دول ثالثة تحت مسمى "الهجرة الطوعية".
وأوضح مجلي، في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أن الشركة بدأت تتنصل من مسؤوليتها عن عمليات التهجير التي تحدث في غزة، رغم تورطها الواضح في تنظيم رحلات جوية مشبوهة نقلت مئات الفلسطينيين إلى دول مثل جنوب أفريقيا وإندونيسيا وماليزيا، مبينًا أن التنصل جاء بعد الكشف بشكل واضح عن دورها في تهجير الفلسطيني.
وأشار إلى أن السياسة "الإسرائيلية" منذ بداية الحرب على غزة كانت ترنو إلى جعل قضية الهجرة (التهجير) طاغية على الساحة، معتبراً أن هذه القضية تعود جذورها إلى مخططات قديمة.
واتهم مجلي رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو بمحاولة التملص من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلقة بغزة، وقرار مجلس الأمن ذي الصلة، من خلال استفزاز ترامب ومحاولة إفشال الخطة بطرق مختلفة.
وأكد المحلل أن نتنياهو يسعى إلى تفادي سقوطه السياسي، محذراً من أن يصبح "مفلساً" بدون إنجازات إذا نفذت الخطة كما هي.
يأتي هذا التحليل وسط تقارير إعلامية "إسرائيلية" ودولية كشفت عن شبكات معقدة مرتبطة بجهات "إسرائيلية" تساهم في نقل فلسطينيين من غزة، مما أثار مخاوف من عمليات تهجير منظمة تحت غطاء إنساني.
