مقولة قد تُلخِّص جزء يسير من القهر والمأساة نتيجة التعاقب في الأدوار بين الاحتلال الإسرائيلي و إجرام السلطة الفتحاوية بحقِّ الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
وهذه ليست دعوة لِبثّ الحزن أو نشر الأسى بِقدر ما هي رسالة تحوي بين طيّاتها إظهار وتأكيد معاناة شعب فلسطين على مرّ العصور الماضية وإلى يومنا هذا !
فصول من الألم ، الاعتقال السياسي التعسفي ، تكميم الأفواه والملاحقة على خلفية الرأي والتعبير ، التهجير ، التهويد ، التشريد ، تتابع النكبات التي عاشها الفلسطيني المُتجذّر في أرضه ، المُتمسّك بحقّه ، صاحب الوطن والقضية ، لم يُساوم ولم يتنازل ولم يُفرّط بذرة ترابٍ منها، لم يُقدّم وطنه في المزاد العلني لسلب الأرض والهُويّة ؛ كما فعل عُرّاب التنسيق الأمني وأصحاب التطبيع العربي الصهيوني حينما باعوا أوطانهم وتنازلوا عن شرف الدفاع عن القضية الفلسطينية هديةً منهم للصهاينة وسعيًا منهم لاستجوابِ قليلٍ مِن العِرفان ، وكثير من الخذلان والهوان الذي أوصلوا شعوبهم إليه على عتبات التفريط والتشويه للقيم والمبادىء العربية والإسلامية وقبلها الحقائق الفلسطينية المُقدّسة .
الفلسطيني الذي نشأ في أرضه وبنى بيته وسكن به قبل آلاف السنيين وبِعُمرٍ أكبر من عُمر الاحتلال الإسرائيلي ، يُقاوم بصموده وثباته بأرضه أعتى الأسلحة الصهيونية التي تقف بوجهه وتهدم منزله الذي توارثه عن أجداده لِتُحوِّله أثرًا بعد عين وتُحيله إلى حجارةٍ وركام بعضه فوق بعض ، يحكي ذكريات الحياة فيه لسنواتٍ طويلة، وكل ذلك بِشهادة السلطة الحاكمة على أرض الواقع في القدس و الضفة الغربية المحتلتين والتي لم تتحرك قيد أُنملة لصد همجية الاحتلال الصهيوني .
هدمت جرافات الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلة محمود صالحية في حي الشيخ جراح شرقي القدس المحتلة وكانت قد اعتقلت صاحب المنزل محمود صالحية وأفراد من عائلته واعتدت عليه بالضرب أثناء مباغتة القوات الصهيونية بيته في ساعات من الليل و وسط حضور عدد كبير من أفراد الجيش و الشرطة الصهيونية التي حاصرت محيط منزل العائلة ومنعت الجيران من الدخول إلى البيت
ذكريات العائلة المقدسية ، صور الأطفال ، بقايا ألعابهم وحقائبهم المدرسية ، أحلامهم التي تناثرت بفعل آلة الإجرام الصهيونية ، مشاهد التشرّد في تلك الأجواء شديدة البرودة كلها تُجسّد لوحة عريضة ، عنوانها مكتوب بيد طفلٍ فقد المأوى والمسكن والبيت الذي كان يحتضنه وبعد فقده بات يقول لنا " لا تهزّني فأنا مليءٌ بالدموع و الآهات"
واقع الطفل الذي تشرّد من بيته يُبكينا ، تسيل الدموع على حاله بغزارة ، الحياة والعالم مِن حوله يعصف بنا مرّات ومرّات ، نضعف ونصمت مرّة ، ونقف بعدها مرّات أخرى مُعلنيين انتصارنا على التهجير والاحتلال و إجرام السلطة معًا
مأساة اللجوء والتهجير والتشرّد و صورة الطفل الذي يحتضن أباه لا تغيب عن ناظرنا ، كيف لها أن تختفي و خلفه الشاب الثائر المُقاوم ، يُنادينا من بعيد ويُخبرنا بأنّه لا يزال يمتلك السلاح والقوة والإرادة والعزيمة والتحدي لِمواصلة المسير حتى التحرير والبقاء على هذه الأرض المقدسة ، موطن الآباء والأجداد ، قلعة الشهدااء وميدان البطولة والإباء والشموخ والكبرياء رغمًا عن كيد بني صهيون وأعوانه
وستبقى القدس حرة أبيّة مهما حاول الاحتلال الإسرائيلي العبث فيها وهدم منازل المقدسيين أصحاب الأرض وسكانها الذين تصدُّوا للصهاينة و رفضوا نكبة تهجير حي الشيخ جراح لن تُضعف من عزيمتهم ولن تُثنيهم عن مواجهة الاحتلال والتصدي له في عُقر كيانه الزائل
