الكاتب والباحث السياسي
✍🏼(عدنـان القصاص)
لا شك بأن "اسرائيل" ومنذ أن توقفت معركة "سيف القدس" المندلعة في 10 مايو2021 والتي لم تنتهي، وهي تسعى جاهدة لحرمان المقاومة من الاستفادة أو البناء على مخرجات المعركة، لاسيما أن المقاومة قد أظهرت حالة الضعف العميق التي انتابت المؤسسة الأمنية والعسكرية لدى الاحتلال، وهذا بدوره انعكس على الحالتين السياسية والإجتماعية المتباينة في الوسط "الإسرائيلي".
وبالتالي، عمدت قيادة الاحتلال إلى الذهاب خطوات للأمام، عبر توظيف مواردها المختلفة، والتي من أهمها الموارد الاستخبارية، والأمنية، لأجل تبديد مكتسبات المعركة التي حققتها المقاومة. حيث على ما يبدو أنها أعدّت مخططات متوالية، وأخرى متزامنة، ومقيّدة بأطر زمنية محددة، بالتوافق على ما يبدو مع البيت الأبيض؛ الذي منحها الضوء الأخضر لتنفيذ تلك المخططات في فترة قياسية، بحث لا يكون لها انعكاسات إقليمية أو دولية.
والتي تفضي؛ لتثبيت وقائع ميدانية، من شأنها حرمان "أذرع إيران" على حدّ وصف الاحتلال من مراكمة موارد القوة المتعددة، والتي يمكن للمقاومة توظيفها خلال معركة واسعة تتوقعها "اسرائيل" على عدة جبهات، قد تؤدي إلى الإخلال بأنساق القوة، وميزان والقوى في المنطقة لصالح أعداء "إسرائيل"، وبما قد يهدد وجودها.
ولعل من أبرز الأهداف التي سعى، ويسعى الاحتلال إلى تحقيقها:
🔘 أولاً. على الصعيد الأمني والعسكري:
🔸 تفتيت صخرة المقاومة من أضعف نقطة فيها، وبحسب أولويات، أهمها:
- التهديد الأقرب من ثمّ الأبعد، حيث بدأت باستهداف الكتائب العسكرية في الضفة، بالتزامن مع استهداف نقاط ارتكاز عسكرية ايرانية وأخرى تتبع للحزب في سوريا، وخطوط امداد لوجستي، وكذلك تلاها استهداف قادة "الجهاد الإسلامي" في غزة، بالتزامن مع تحييد حركة "حماس"، مع الحرص على عدم الوصول لمرحلة قد تستفز فيها الحركة، خشية أن تطول حالة الاشتباك قبل الانتهاء من انجاز أكبر قدر ممكن من مخطط تبديد مكتسبات معركة سيف القدس.
🔸 ارسال رسائل قوة، وتهديد ميدانية، واضحة وصريحه، من خلال عدد من المناورات المنفردة، والمشتركة، برّاً، وجواً، وبحراً، في حدود الكيان والإقليم ككل.
🔸 ضخ كم هائل من المعلومات المضللة، في اطار الحرب النفسية، عبر الماكينة الإعلامية التي ترعاها المنظومة الأمنية، مستهدفة بذلك الحواضن الشعبية لأذرع المقاومة، تارة بالترهيب؛ وذلك بإظهار النوايا لضرب البنى التحتية المدنية، في حال أقدمت المقاومة على استهداف أمن ومصالح الاحتلال بشكل مباشر، وتارة أخرى عبر بث رسائل حول ضرورة استدامة حالة الأمن والاستقرار الذي على حد زعم الاحتلال تسعى ايران وأذرعها لضربه وزعزعته، وتصوير أن الخاسر الأكبر هو تلك الحواضن، وكأن الصراع صراع ضيّق، وليس صراع وجود.
🔸 خلقت "اسرائيل" وقائع أمنية جديدة على الأرض، على الحدود مع لبنان، والأردن، وكذلك مع قطاع غزة، وذلك بتشييد جدران فولاذية، ومناطق عازلة، ومنظومات مراقبة، بالتفاهم مع الأردن، ومع اليونيفيل في لبنان.
🔘 ثانياً: على الصعيد الاقتصادي، والاجتماعي:
سعى الاحتلال جاهداً لفصل الحواضن الشعبية، عن حالة المقاومة، لحرمان المقاومة من زخم التأييد الشعبي وذلك عبر:
🔸 احتواء الحواضن الشعبية عبر العديد من التسهيلات الاقتصادية المدروسة، وربطها بحالة الاستقرار الأمني المزعوم. وذلك عبر استصدار قوانين تهدف لمنح مساحة أوسع لفلسطينيي الداخل، لمزاولة العديد من المهن التي كانوا محرومين منها قبل سيف القدس.
🔸 الاعتراف بعدد من القرى العربية في الداخل، وتعزيز البنية التحتية لعدد آخر.
🔸 زيارة القرى العربية في النقب من قبل وزراء الاحتلال.
🔸 الاجتماع مع ما وصفهم بكبار القرى في الضفة من قبل ما يطلقون عليه الادارة المدنية "المنسق".
🔸 السماح لشريحة واسعة من العمال للعمل في الداخل، وزيادة أعداد العمال، واطلاق وعود بالزيادة
🔸 دعم التوجه بتجديد المنحة القطرية لكل من غزة والضفة.
🔸 تعمّد ربط مسألة فتح الحواجز "المعابر" بمدى الالتزام بالهدوء ووقف الهجمات.
🔸 حاول الاحتلال اللعب على وتر التناقضات الطائفية في لبنان، وتأجيج البعض الرافضين لفكرة اقحام لبنان في مسائل في نظرهم لا تمس قضاياهم الجوهرية.
🔸 اجتهد الاحتلال لبث الفتنة، والفرقة، بين القواعد في حركتي الجهاد وحماس، بالإضافة لتعمده اعطاء صورة فيها من التضخيم لإمكانات الجهاد، والدعم والاسناد الذي تتلقاه من ايران، لتبرير حالة الاستفراد بالتنظيم، واسدال غطاء على الهدف الرئيس وهو زرع بذور الفتنة والفرقة.
🔘 ثالثاً: على الصعيد السياسي:
🔸 سعى الاحتلال لترميم صورته المهزوزة بعد سيف القدس من خلال تصعيد خطابه السياسي وربط الحالة النضالية الفلسطينية المشروعة دولياً، بتهديد إيران وكأن المسألة تدور حول دولة ذات سيادة وهي "اسرائيل" وقطاع طرفي في غزة يؤدي دوراً وظيفياً بالوكالة عن ايران، ليختزل النضال الفلسطيني وينزع عنه الشرعية.
🔸 يجتهد الاحتلال بتثبيت وضع سياسي يفضي لتصفية القضية الفلسطينية سياسياً، وذلك من خلال الاستدلالات المزورة من التاريخ المزعوم، يشير لتاريخ اليهود على أرض فلسطين، والذي بحسب زعم نتنياهو يسبق وجود كل دول أوروبا، وقبل نشأة أمريكا نفسها.
🔸 تعزيز مكانة السلطة، وربطها باتفاقيات أمنية تتواءم مع تصاعد الحالة النضالية، في محاولة لكبح هذا التصاعد، عبر دورها الأمني بالتنسيق الكامل مع الاحتلال، وشراء موقفها السياسي بمزيد من المنح المالية، بالاضافة لمنعها من ابداء مواقف سياسية ذات تأثير دولي، كالتوجه لمحكمة الجنايات الدولية لمقاضاة قادة الاحتلال.
🔸 مضاعفة الجهود لأجل تعزيز الاتفاقات الابراهيمية، والتطبيع مع المكونات العربية دولاً كانت أم فواعل من غير الدول، لإضفاء شرعية على كيانه الذي يعيش حالة من عدم اليقين الوجودي بعد معركة سيف القدس.
🔸 يحاول الاحتلال تقويض أي جهود سياسية من شأنها تعزيز حضور القضية الفلسطينية، سواء في المحافل الدولية الرسمية، أول في الأوساط الدولية العامة.
🔸 يسعى الاحتلال لعزل الأمتين العربية والاسلامية عن القضية الفلسطينية سياسياً، من خلال نظرية (شد الذراع وقطعها) والتي يتم من خلالها استدراج الدول والكيانات لاتفاقات ذات صبغة اقتصادية، لكنها توظف في نهاية المطاف لخدمة أغراض سياسية من شأنها عزل تلك الدول والكيانات عن القضية الفلسطينية.
🔸 محاولة اظهار نوع من الحرص لدى الاحتلال على عدم المساس بالمدنيين، وذلك عبر بث فيديوهات تظهر امتناع جيشه عن استهداف أهداف عسكرية مشروعة على حد وصفه، كون أن هناك مدنيين ظهروا مصادفة ضمن دوائر اطلاق النار؛ في محاولة لكسب موقف سياسي.
▫️ النتائج▫️:
🔸 لغاية كتابة هذه السطور والاحتلال في عجلة من أمره، ويحاول استكمال مخططه، وقد حقق بطبيعة الحال بعض المكتسبات التكتيكية، لكنه غير متأكد من تحقيق أهدافه الاستراتيجية، كونه لم يضع نفسه في اختبار حقيقي أمام امكانيات ومقدرات المقاومة التي يتوقع حجمها على الأقل، والتي لم يُستخدم الحد الأدنى منها في أي من جولات الصراع بعد سيف القدس.
🔸 الاحتلال فشل في تقدير موقف المقاومة حين استهدفته من الساحة اللبنانية، وكذلك من سوريا، علاوة على ربط الرد بالقدس، وهذا بدوره عزز حالة تآكل الردع التي تجلت بعد معركة سيف القدس.
🔸 واضح أن أمريكا لن تمنح "اسرائيل" شك زمني ولوجيستي مفتوح، نظراً للتحديات الدولية التي تواجهها، فهي تقتنع بمعالجة الظواهر الطارئة موضعياً، ما من شأنه تسكين الصراع، وليس حسمه. وبالتالي؛ إن حكومة الاحتلال غالباً هي تعمل تحت الضغط الأمريكي، والذي في لحظة ما باعتقادي؛ قد يفضي لبقاء "اسرائيل" وحدها في المعركة، لذا قادة الاحتلال في عجلة من أمرهم لتثبيت واقع أمني يخدم تعزيز وجود كيانهم، قبل فوات الأوان.
-🔸 "اسرائيل" تشهر سيفها في وجه الجميع، وتستمر في ارسال رسائل القوة لأعدائها، ولكل من يحاول دعم الحق الفلسطيني ولو بالكلمة، وهذا لوحده مؤشر على مدى حالة الارباك والتخبط لدى الكيان.
🔸 هناك حالة من النضج والوعي على الصعيد الشعبي والنخبوي ولدى أذرع المقاومة، يحرم الاحتلال من تمرير مخططاته المسمومة التي يسعى من خلالها لإرساء قواعده، وتثبيت الواقع الذي يخدم ويعزز وجوده.
🔸 السلطة تفشل في كبح جماح المقاومة في الضفة بشكل نهائي، وهذا أضعف مكانتها، بما قد يهدد وجودها.
🔸 عدم نجاح الاحتلال باستدراج محور المقاومة ككل لمعارك تكتيكية، وعدم وقوعها أسيرة لتوقيتات الاحتلال، وأهدافه الرامية لاستنزاف المقاومة، واختبار امكانياتها.
🔸 جرائم الاحتلال المدانة دولياً، زادت من الحالة النضالية، وعززت حالة التماسك الشعبي، ورفعت من حجم الالتفاف والتأييد للمقاومة، حتى أصبح الشعب الفلسطيني ينتظر الرد المقاوم على جرائم الاحتلال أكثر من انتظاره للتهدئة.
▫️ التوصيات▫️:
🔸 رفع درجة الوعي لدى الحواضن الشعبية للمقاومة في كل الساحات، ودفع الجميع للانخراط ضمن الحالة النضالية، بحيث يوظف كل فرد ما يملك من مقومات، بغض النظر عن نوعها، وحجمها لتكون سهم في معركة تحرير القدس.
🔸 انشاء بيت فلسطيني سياسي جامع، يتفق على محددات تحكم حالة الانخراط في أي معارك مع الاحتلال، أو الاحجام عن ذلك، بما يقتضيه الهدف الاستراتيجي ممثلاً بمعركة التحرير، وتذليل كل العقبات في سبيل ذلك.
🔸 التأكيد على أن سيف القدس أُشهر لأجل الدفاع عن المقدسات، وهذا واجب ديني وقومي، من مسؤولية كل شعوب المنطقة تحديداً، وأحرار العالم، لأن مواقف الشعوب هي من يراهن عليها وليس غير ذلك.
🔸 تعزيز العلاقات الوطنية بين كل أطياف الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، ومع الشعوب العربية والاسلامية.
🔸 مراكمة القوة والحذر من الانجرار لمعارك يحدد زمانها ومكانها الاحتلال.
🔸 وجوب الحرص من قبل قادة المقاومة على عدم الانتقال من مساحة المقاومة لمساحات أخرى قد تسمح للاحتلال أن يأخذهم على حين غرّة، والالتزام بمقتضيات ذلك.
🔸 رفع وتيرة الضخ الاعلامي المستدام، في نشر الوعي، وتحشيد الطاقات، وتكرار بث المشاهد المؤلمة لجرائم الاحتلال في الأوساط الدولية للأهمية القصوى.
🔸 تعزيز الحضور الفلسطيني في المحافل والأوساط الدولية، وتعزيز حالة الوفاق الوطني، على قاعدة أن الجميع مستهدف، ويقع ضمن دائرة التصفية من قبل الاحتلال.
🔸 يتوجب على السلطة رفع عصاها الغليظة عن الشعب الفلسطيني بالضفة، ووقف التنسيق الأمني.
🔸 الحذر من الوقوع أسرى، تسهيلات الاحتلال الاقتصادية، وتهديداته، وتوقيتات عملياته التي يهدف لاستدراج المقاومة إليها.
🔸 محاولة تعزيز الخطاب الوطني الفلسطيني الجامع، وتحييد الخطاب التنظيمي المؤدلج.
🔸 التقليل من تظهير الدور الايراني الذي قد يوظف ضمن سياقات، وكأن المقاومة تقوم بدور الوكالة عن ايران في المنطقة، وبالتالي يتم تغييب الحق الفلسطيني ومشروعية المقاومة في الدفاع عن شعب فلسطين، وضرورة انتزاع حقوقه المسلوبة، واختزاله بتلك الأكاذيب.
