غزة - فادي حجازي
في مكانٍ آخر من العالم، يقضي الرياضيون أوقاتهم بين التدريب والمباريات، وبين الهتافات والألقاب، لكن في غزة، حيث يحاصر الموت الشباب في كل زاوية، يتحول الحلم إلى كابوس، والكرة إلى ذكرى، والملاعب إلى ركام. هنا، يركض الشبان خلف الخبز لا خلف المرمى، ويُستبدل التصفيق بصوت الرصاص.
محمد نعيم عوض، ابن الثامنة عشرة، لاعب نادي اتحاد بيت حانون الرياضي، كان على بعد خطوات قليلة من تحقيق حلمه باللعب مع المنتخب الوطني الفلسطيني للشباب، لكن الجوع دفعه للخروج بحثًا عن كيس طحين، والرصاصة الإسرائيلية سبقته، لتخترق رأسه وتكسر نصف جسده. استيقظ من غيبوبته مشلولًا، يحمل على كتفيه وجعًا أكبر من عمره.
"كنت لاعبًا… صرت أسير السرير"
يقول محمد بصوت متهدج: "أردت أن أصبح لاعبًا مشهورًا، أن أرفع اسم فلسطين في الملاعب، اليوم صرت لا أستطيع تحريك يدي أو قدمي، الرصاصة لم تصبني وحدي، بل أصابت حلمي، وأحلام إخوتي الذين كانوا يرونني قدوة لهم".
ويضيف: "على مدار أيام طويلة لم نذق أنا وإخوتي لقمة تسد رمقنا، فقررت التوجه إلى زيكيم شمال قطاع غزة للحصول على المساعدات، لحظة وصولي اخترقت الرصاصة رأسي، فدخلت في غيبوبة طويلة، وعندما استيقظت وجدت نفسي بلا حركة، وأبلغني الأطباء أنهم اضطروا لاستئصال جزء من جمجمتي، اليوم أعيش شللاً نصفياً في الجانب الأيسر ومعاناة عصبية معقدة".

ولفت والحسرة تملأ عينيه، إلى أن وضعه الصحي حرج للغاية، كونه يحتاج لعلاج طبيعي وتأهيل مستمر لا يتوفر في غزة المحاصرة، وكل يوم يمر من دون علاج يهدد حياته أكثر، حسب تأكيده.
ولم تعد لدى محمد تفاصيل يومية تشبه حياة شاب في مثل عمره، فالحرب حاصرت كل شيء: الشوارع مغلقة، والكهرباء مقطوعة، والمستشفيات تعج بالمصابين، إذ يقضي نهاره مستلقيًا على سريره الصغير في غرفةٍ شبه معتمة، يسمع من بعيد أصوات الانفجارات، وينتظر مع عائلته أي بارقة أمل بعلاج خارج غزة.
وبخصوص ذلك يؤكد بصوت خافت: "حتى الروتين البسيط الذي كان لدي لم يعد موجودًا، الحرب سرقت كل شيء".
حلم تبخر
وكان محمد يحلم بارتداء قميص المنتخب الفلسطيني. لطالما عاش كرة القدم شغفاً وتحدياً، حتى أنه خاض تجاربه الأولى مع فريق بيت حانون الرياضي بقيادة المدرب محمد العيماوي والكابتن محرز أبو عودة، الذي استشهد هو الآخر أثناء محاولته الحصول على المساعدات.
لكن الحرب جاءت لتطيح بكل شيء، ليجد نفسه يركض خلف المساعدات بدلاً من الركض خلف الكرة، والإصابة جاءت كرصاصة أخرى أنهت طموحه الرياضي.
ورغم كل ذلك، يتمسك محمد بخيط أمل رفيع، إذ يقول: "أحلم بالعودة إلى ممارسة كرة القدم، أعرف أن إصابتي قد تنهي مسيرتي، لكن ما أحتاجه فقط هو العلاج اللازم، ربما يكون هذا العلاج بوابتي الوحيدة للعودة من جديد، وإذا لم أعد أركض سألعب بطريقة مختلفة، سأدرب أطفال الحي يومًا ما".

اليوم يناشد محمد المؤسسات الإنسانية والطبية للتدخل العاجل، وإنقاذه من مصير محتوم في ظل انعدام الإمكانيات الطبية في غزة. فقصته ليست مجرد حكاية لاعب، بل صورة عن واقع رياضة فلسطينية تنهار تحت نيران الحرب: مئات الرياضيين بين شهيد وجريح، وبنية تحتية مدمرة، وسط صمت دولي يشرعن استمرار الجريمة.
"حركة صغيرة كأنها انتصار"
وإلى جانب محمد، تجلس والدته، تمرر يدها على شعره كما كانت تفعل حين يعود من مبارياته، وتقول بصوتٍ تختلط فيه الذكريات بالوجع: "كان يركض أسرع من الريح، كنا نلاحقه من بعيد ونضحك حين يعود مبللًا بالعرق وملابسه مغطاة بالغبار، اليوم نحتفل إن استطاع تحريك إصبعه، ونتشبث بكل حركة صغيرة كأنها انتصار كبير".
وعلى مقربة منه أيضا، يقف شقيقه الصغير ممسكًا بكرة فقدت لونها من كثرة اللعب، يهمس بخجل وهو يرمق أخاه بعينين دامعتين: "كنت ألعب معه كل يوم، صرت ألعب وحدي.. ما زلت أرمي الكرة نحوه كل صباح، وأنتظر أن يركض ليمسكها كما كان يفعل".
فيما يؤكد الطبيب المعالج "أن استمرار العلاج الطبيعي لمحمد خارج غزة، هو الأمل الوحيد لاستعادة قدرته على الحركة".
رياضيون بين شهيد وجريح
لكن محمد ليس وحده في هذه المعاناة، فالكابتن محمود الزعانين (22 عامًا)، لاعب ناشئ في صفوف نادي خدمات جباليا، فقد ساقه إثر قصف طال الحي الذي يسكنه. يقول: "كنت أستعد لأشارك في بطولة محلية، اليوم أتعلم المشي على عكازين".
أما سليم قديح (19 عامًا)، لاعب كرة سلة في خانيونس، فقد تعرض لإصابة بليغة في عموده الفقري بعد استهداف منزله. يقول: "لم أعد أستطيع اللعب، لكنني سأظل مدربًا للأطفال، الرياضة بالنسبة لنا ليست رفاهية، بل حياة".
وفي ذات السياق، فإن عشرات اللاعبين استُشهدوا مع عائلاتهم تحت الأنقاض، بينهم إياد شعت، لاعب كرة قدم في رفح، الذي قُتل مع زوجته وأطفاله في غارة جوية، وكذلك محمد حمدان لاعب نادي الصداقة الرياضي، الذي رحل هو الآخر مع عائلته.
أرقام تصرخ
وبحسب تقرير الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي - أغسطس 2024، فإن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، أدت إلى استشهاد 778 رياضياً، بينهم 373 لاعب كرة قدم، فيما أصبح 95% من المنشآت الرياضية بين ملاعب وقاعات، مدمرة، ناهيك عن حاجة مئات الجرحى إلى علاج وتأهيل غير متوفر داخل القطاع.
ومن هذا المنطلق، فإن الرياضة الفلسطينية لم تعرف يومًا بيئة آمنة على مدار تاريخها ففي الانتفاضة الأولى والثانية، سقط رياضيون شهداء برصاص الاحتلال.

كما أن المنتخب الفلسطيني، كثيرًا ما مُنع من السفر للمشاركة في البطولات العربية والآسيوية، كذلك فإن الملاعب، من اليرموك في غزة حتى دورا في الخليل، تعرّضت مرارًا للهدم أو الإغلاق، بينما تعرض لاعبون فلسطينيون مثل جهاد سرحان وأحمد خميس للقتل في حروب سابقة، في حين اعتُقل آخرون لسنوات طويلة.
هذه الأرقام والأسماء تعكس أن ما يحدث ليس صدفة، بل استهداف ممنهج للجيل الرياضي في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة على حد سواء.
جريمة في عين القانون الدولي
القانون الدولي واضح في مسألة حماية المدنيين، إذ تقول المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة: يجب حماية المدنيين وصون كرامتهم، كما أن المادة 33: تحظر العقاب الجماعي، وهو ما يمثله الحصار، فيما تقول المادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول: تحظر الهجمات العشوائية ضد المدنيين.
كذلك، يؤكد الميثاق الأولمبي أن "الرياضة حق من حقوق الإنسان"، فيما يعتبر "الفيفا" أن حماية اللاعبين أولوية قصوى. لكن في غزة، لم يصل هذا الحق، ولم يجد الرياضيون أي حماية.
كما يعتبر ما جرى مع محمد، انتهاكًا صريحًا للمادة 11 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تُلزم الدول بحماية الأشخاص ذوي الإعاقة في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة".
وبالنسبة للشباب الفلسطيني، لم تكن الرياضة مجرد لعبة، بل هي وسيلة للتعبير، لإثبات الذات، ولرفع اسم فلسطين في المحافل الدولية، ولذلك فإن استهداف اللاعبين ليس فقط جريمة ضد الأفراد، بل محاولة لإخماد صوت فلسطين على الساحة العالمية.
محمد، محمود، سليم، وإياد.. ليسوا مجرد أسماء، إنهم وجوه لجيل كامل ذُبح حلمه على أبواب الملاعب، فالرياضة في غزة اليوم لا تُمارَس على العشب الأخضر، بل تُكتب بالدم والركام، وفي كل مرة تسقط فيها رصاصة على لاعب، يخسر العالم حلمًا جديدًا ويُسجَّل في ذاكرة الفلسطينيين فصل آخر من فصول الصمود.
ختاما، محمد لم يخسر المباراة، بل ما زال يلعب في معركة أكبر، وهي "معركة الحياة"، فالرياضة لم تعد حلمه فقط، بل صارت معركته الشخصية ضد العجز والحصار.
