تقرير – شهاب
بعد أكثر من عامين من الحرب والدمار والتهجير القسري، تشهد مدينة غزة ومناطق أخرى في القطاع مشهدًا إنسانيًا مفعمًا بالتناقضات، يتمثل بركام وأنقاض تحكي فصول المجازر، وأُسر تعود إلى منازل لم يبقَ منها سوى الجدران المهدّمة.
في هذا المكان الذي أصبح رمزًا للألم والصمود في آن واحد، يواصل مئات آلاف الفلسطينيين النازحين رحلة العودة إلى أحيائهم المدمرة، متحدّين الخطر والجوع وغياب الخدمات الأساسية، في مشهدٍ يؤكد أن روح الحياة في غزة لا تموت مهما اشتدت المأساة.
ولم تكن العودة مجرّد حركة نزوحٍ عكسية، بل إعلانًا جماعيًا عن إرادة البقاء، ورسالة تحدٍ للاحتلال الذي حاول عبر حربه الطويلة أن يجعل القطاع غير صالح للحياة.
فما بين الركام والمنازل المحروقة والطرقات المقطّعة، يعود الفلسطينيون حاملين ما تبقّى من متاعهم وذكرياتهم، ليعيدوا بناء حياتهم بأيديهم رغم الدمار الشامل الذي طال كل شيء، من المنازل والمدارس إلى المستشفيات والبنى التحتية والمرافق العامة.
ويرى المراقبون أن هذا التحرك الشعبي الواسع للعودة يعكس تحوّلًا نفسيًا ومعنويًا عميقًا في الوعي الفلسطيني، إذ لم تعد الغاية النجاة فحسب، بل التمسك بالأرض ورفض الهجرة، في مواجهة مشروع الاحتلال الرامي إلى تفريغ القطاع من سكانه عبر سياسة "الأرض المحروقة".
مشاهد موجعة وأمل لا ينكسر
وتُظهر المشاهد القادمة من المدينة طوابير من العائلات الفلسطينية التي تسير على الأقدام أو عبر عربات صغيرة، حاملة ما تبقى من مقتنياتها، عائدة إلى أحياء كانت يومًا تعج بالحياة، وصارت اليوم مساحات من الخراب والرماد.
في كل شارع، تقف حكاية نزوحٍ وعودة، وحلم طفلٍ يبحث بين الحجارة عن لعبته القديمة، أو أمٍّ تلمّ بقايا صور أبنائها من بين الركام.
ورغم التحذيرات من الملوثات ومخاطر الألغام غير المنفجرة، فإن الإصرار الشعبي على العودة فاق كل تقديرات المنظمات الدولية، التي وصفت المشهد بأنه "عودة من تحت الأنقاض".
ويقول أحد العائدين من مخيمات النزوح في الجنوب: "حتى لو لم يبقَ بيتٌ قائم، نعود لأن هنا حياتنا، وهنا من استشهدوا. لا نريد بديلاً عن غزة".
تلك العبارة التي تكررت على ألسنة كثيرين، تختصر جوهر المأساة الفلسطينية، وتعيد التأكيد على أن غزة لا تُهزم لأنها ترفض الانكسار.
ورغم الهدوء النسبي الذي يرافق تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، فإن الظروف الإنسانية ما زالت بالغة القسوة، فالمياه شحيحة، والكهرباء معدومة، والمواد الغذائية الأساسية تُوزّع بكميات محدودة، فيما تتواصل أزمة المستشفيات والمرافق الصحية التي دُمّرت خلال العدوان.
وتقدّر الجهات الإغاثية أن أكثر من 85% من البنية التحتية السكنية في مدينة غزة تضررت كليًا أو جزئيًا، في حين يحتاج نحو مليون ونصف المليون شخص إلى مساعدات فورية.
لكن رغم ذلك، فإن مشهد إعادة نصب الخيام بين الركام، وإطلاق نداءات لإعادة الإعمار الشعبي، يعبّر عن بداية مرحلة جديدة، عنوانها التمسك بالأرض والإصرار على إعادة البناء.
وقال رئيس بلدية غزة يحيى السراج إن الأولوية في الوقت الراهن هي الاستعداد لاستقبال العائدين من جنوب القطاع، موضحًا أن الإمكانات تكاد تكون معدومة لتهيئة الطرق، مؤكدا تواصل البلدية مع عدد من الجهات لتوفير المعدات اللازمة في أقرب وقت.
ومن جانبه، قال رئيس بلدية خان يونس علاء البطة إن 85% من محافظة خان يونس مدمرة، مضيفا أن 400 ألف طن ركام يجب إزالتها من شوارع المدينة.
وتابع أن 300 كيلومتر من شبكات المياه في المدينة قد دمرت، كما أن 75% من شبكة الصرف الصحي في المدينة مدمرة.
وأوضح أيضا "علينا التعامل مع أكثر من 350 ألف طن من النفايات في المدينة"، مشيرا إلى ضرورة الحاجة إلى آليات حديثة للتعامل مع الركام.
رسالة تحدٍّ للاحتلال
ويرى محللون سياسيون أن عودة النازحين بهذا الحجم والسرعة تحمل دلالات عميقة تتجاوز الجانب الإنساني.
فبحسب الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي، فإن هذه العودة تمثل "فشلًا جديدًا لسياسة الاحتلال التي سعت إلى تفريغ غزة من سكانها عبر القتل والدمار والتجويع"، مؤكدًا أن صمود السكان وتمسكهم بأرضهم هو العامل الحاسم في إفشال تلك المخططات.
أما المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد، فيرى أن هذه العودة "تعري الخطاب الإسرائيلي الذي تحدث عن السيطرة الكاملة على غزة"، مشيرًا إلى أن "الإسرائيليين أنفسهم باتوا يدركون أن كسر إرادة الفلسطينيين بات مستحيلاً، وأنهم سيواجهون شعبًا لا يغادر أرضه مهما كان الثمن".
وقالت وزارة الداخلية بغزة إن عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية انتشرت في المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال لاستعادة النظام ومعالجة مظاهر الفوضى التي سعى الاحتلال لنشرها.
وأهابت وزارة الداخلية بالمواطنين إلى المحافظة على الممتلكات العامة والخاصة والتعاون والالتزام بالتوجيهات والتعليمات التي ستصدر عن الجهات المختصة.
تحديات كبيرة
وبدأت طواقم البلديات في مدينة غزة فتح الطرقات في المدينة، حيث أظهرت صور مشاهد جرافات تزيل الركام والمخلفات من أحد الشوارع.
ويُتوقع استمرار مثل هذه العمليات بسبب حجم الدمار الذي ألحقته قوات الاحتلال الإسرائيلي بالبنية التحتية والسكنية في قطاع غزة بمختلف مناطقه.
وفي هذا السياق، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن الطواقم والوزارات الحكومية نفذت أكثر من 5000 مهمة خلال الـ24 ساعة الماضية في مختلف محافظات قطاع غزة، ضمن خطة طوارئ شاملة تهدف إلى إعادة الحياة تدريجياً للقطاع بعد عامين من الإبادة الجماعية الممنهجة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد أكثر من 2.4 مليون مدني فلسطيني.
وأوضح المكتب، أن الجهات الحكومية أنجزت أكثر من 1200 مهمة طبية وصحية شملت عمليات جراحية وإسعاف الجرحى والمرضى، و850 مهمة إنقاذ وإغاثة نفذتها فرق الدفاع المدني والطواقم الشرطية والبلدية، إضافة إلى 900 مهمة خدمية في مجالات المياه والكهرباء وإزالة الركام وفتح الشوارع.
كما تم تنفيذ 700 مهمة إغاثية وإنسانية شملت توزيع طرود غذائية ومواد إيواء على النازحين، و650 مهمة مجتمعية في مراكز الإيواء للدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب 700 مهمة لوجستية وإعلامية لتوثيق النشاطات الميدانية وتوفير البيانات للجهات المحلية والدولية.
وذكر أن هذه الجهود تُنفذ رغم الدمار الهائل الذي طال 90% من البنية التحتية المدنية وتدمير 300 ألف وحدة سكنية وتهجير مليوني إنسان، مشيدًا بصمود الكوادر الحكومية التي فقدت أكثر من 8000 موظف أثناء أداء واجبهم.
وشدد المكتب الاعلامي الحكومي على أن غزة ستبقى صامدة بإرادة مؤسساتها وأهلها، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب أقصى درجات الانضباط الوطني والمسؤولية المجتمعية.
ودعا أبناء الشعب الفلسطيني إلى التعاون الكامل مع الأجهزة الحكومية لضمان سير العمل الميداني بسلاسة، مطالباً المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بتعزيز الدعم الميداني ورفع الحصار وفتح جميع المعابر فوراً لتمكين المؤسسات من مواصلة عملها.
وبدأت عودة النازحين أمس الجمعة إلى الأماكن التي انسحب منها جيش الاحتلال في مناطق مختلفة من القطاع مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
