تقرير "فقدان 60 مليون" وشبهات فساد باتفاق الحكومة مع بالتل وجوال

thumb

غزة – محمد هنية

أثار تجديد حكومة الوفاق لرخصة شركة الاتصالات الفلسطينية الثابتة بالتل ورخصة وشركة الاتصالات الخلوية الفلسطينية جوال لمدة عشرين عاما بمبلغ 290 مليون دولار، الكثير من التساؤلات حول المبلغ المطروح ومدة حق الامتياز، فضلا عن وجود شبهات فساد في الاتفاق.

وأعلنت الحكومة قبل أيام اتفاقها مع بالتل وجوال على تجديد رخصتيهما اعتباراً من تاريخ 16/11/2016، بعد أن قامت كلتا الشركتين بإستكمال كافة الاجراءات الرسمية اللازمة لتجديد الرخصة، وفق إعلان الحكومة.

شكري بشارة وزير المالية قال إنه تم تشكيل فريقي عمل بقرار من مجلس الوزراء، للتفاوض فيما يخص الشق المالي، والاستعانة بفريق خبراء دوليين لتبدي توصايتها على المعايير الفُضلي لتحديد قيمة الرخص، واستغرق البحث أربعة أشهر.

وتمنح الحكومة بموجب الاتفاق شركة الاتصالات الفلسطينية الثابتة بالتل وشركة الاتصالات الخلوية الفلسطينية جوال، حق تشغيل وإدارة الاتصالات في الأراضي الفلسطينية، لمدة 20 عاماً، دون منافس خارجي.

وكانت السلطة الفلسطينية قد منحت الشركتين هذا الامتياز عام 1995، عشر سنوات لشركة بالتل وخمس سنوات لشركة جوال، وبقيتا تعملان في الأراضي الفلسطيني بعد انتهاء المدة الزمنية للاتفاق، بزيادة 15 عاماً لبالتل و20 عاماً لجوال، دون حسيب أو رقيب.

60 مليون

ويعتبر الخبير القانوني صلاح عبد العاطي الاتفاقية الجديدة "سرقة للمال العام وتقليص لواردات الموازنة العامة للحكومة"، حيث أكد أن الشعب الفلسطيني عانى على مدار تاريخ السلطة في احتكار القطاعات الخاصة في ظل غياب الشفافية والتنافس وهو ما يؤثر بالدرجة الأولى على المواطنين الذين يصبحون رهينة احتكار الشركات.

وقال عبد العاطي لـ "شهاب"، إنه منذ بداية الإعلان عن مفاوضات الحكومة مع الشركتين، تم الحديث أن قيمتها تبلغ 350 مليون دولار، غير أن القيمة التي أعلنت بالاتفاق كانت 290 مليون دولار، ما يعني غياب 60 مليون دولار.

ونبّه الى أن ذلك يشير الى وجود شبهات فساد بحاجة الى تحقيق ولجنة لمتابعة النتائج، كما أن عدم الافصاح عن كافة معلومات الاتفاق لمؤسسات المجتمع المدني والمواطنين، يثير علامات استفهام حول مدى نزاهة الاتفاقية.

دفع بالتقسيط

وما يزيد الطين بلة، حديث الرئيس التنفيذي لمجموعة الاتصالات عمار العكر، أن المبلغ سيدفع بالتقسيط، حيث ستدفع الشركة 50% من المبلغ في الوقت الحالي، وباقي المبلغ سوف يتم تقسيمه على 4 دفعات على مدار العامين المقبلين، بواقع دفعة مالية كل 6 شهور.

وأضاف العكر أن قيمة تجديد رخصة شركة “جوال” بلغت 260 مليون دولار، في حين بلغت قيمة تجديد شركة الاتصالات الفلسطينية الثابته “بالتل” بقيمة 30 مليون دولار فقط.

ومما يثير علامات الاستفهام أيضا، دور مكتب رئيس السلطة محمود عباس في الاتفاقية، حيث شكر وزير المالية مكتب الرئاسة، ويتسائل هنا عبد العاطي: ما دور مكتب الرئيس في الاتفاقية؟ على الرغم من أنه غير مخول وليس له علاقة بالاتفاق.

وأكد عبد العاطي أن الحكومة حرمت الخزينة العامة من ايرادات كبيرة، بالنظر الى ان قطاع  الاتصالات بأنه الأغلى في العالم واذا ما قورن ذلك بالمبلغ المتفق عليه في الاتفاق الجديد فنحن نتحدث عن مبلغ ضئيل جداً، مقارنة أيضا بمجموع أرباح الشركتين خلال فترة عملهم السابقة في الأراضي الفلسطينية.

وأوضح أن الاتفاقية غير منطقية وليست عادلة ولا تصب في مصلحة السلطة والمواطن معاً، "فالخزينة العامة لم تستفد، والمواطن سيبقى قيد احتكار الشركتين، وحرمانه من الاستفادة من شركات أخرى تقدم له خدمات أكبر، وهذا يدلل على غياب الشفافية لدى الحكومة"، على حد قوله.

وكانت (بالتل) قد أعلنت عن النتائج المالية لعام 2015، حيث بلغ صافي الأرباح 83.1 مليون دينار أردني، منخفضاً بنسبة 2.4% عن العام 2014 والذي بلغ حينها 85.1 مليون دينار أردني، وهو ما أدى إلى انخفاض نصيب السهم من الأرباح ليصل إلى 0.631 دينار أردني مقارنة مع 0.646 دينار أردني لذات الفترة من عام 2014، وفق إعلان الشركة.

ومن ناحية أخرى، فقد ارتفعت قاعدة المشتركين الإجمالية لشركات المجموعة بنسبة 6.7% مقارنة مع نهاية العام 2014 لتصل إلى 3.531 مليون مشترك، نتيجة لنمو أعداد المشتركين في جميع القطاعات خلال العام 2015، وهذا يشير الى زيادة كبيرة خلال عام 2016.

وبالنظر للأرقام السابقة من الأرباح المالية في العام الواحد، نجد أن مجموعة الاتصالات من أفضل الشركات التي تحقق أرباحاً استثمارية، حيث يجد المستثمرون في أسهم شركة (بالتل) "بقرة حلوبا" تدر الكثير من الأموال المضمونة.

تمديد تلقائي

ومن الجدير ذكره، أن امتياز عام 1995 جاء قبل إقرار قانون رقم (3) لسنة 1996 بشأن الاتصالات السلكية واللاسلكية، والذي نظم الاتصالات في الأراضي الفلسطينية، وضمن بنوده "منح استثمار خدمة أو يجوز لمجلس الوزراء أن يمنح حق امتياز أو أكثر في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية".

وهذا يعني أن رخصتي جوال وبالتل لم تكونا خاطعتين للقانون الفلسطيني، ومنذ تاريخ التوقيع على الاتفاقية المنتهية، فقد كانت محل جدل ونقاش واسع، على المستوى الرسمي وغير الرسمي، وتزامن ذلك مع اصدار القانون الاساسي الفلسطيني في العام 2002 وما جرى عليه من تعديلات في العام 2003، والذي احتوى على أحكام تتعلق بمنح الامتيازات العامة والتي تتعارض مع الصورة والطريقة التي تمت فيها الاتفاقية المنتهية مع شركة الاتصالات.

كما أشار الخبير القانوني عبد العاطي، الى أن تمديد السلطة لعمل الشركتين بعد انتهاء عقدهما الموقع عام 1995 يدلل على وجود شبهات فساد، لأن التمديد التلقائي لعمل الشركتين، يدلل على أن السلطة طرفاً مذعناً لهما.

ونوه الى غياب المعايير الدولية عن الاتفاقية، كما أن حدود السلطة مقيدة بصلاحيات في منح الامتيازات لأنها أموال عامة ويجب الاستفادة منها، والسلطة مخولة بوضع ضوابط تنظيمية للقطاع الخاص.

وأفاد عبد العاطي بغياب نظام قانوني ينظم الاحتكارات والامتيازات، تضمن تنظيم القطاعات التشغيلية العامة، كما أن منح المرافق العامة يجب أن يتضمن ألا يعتلي اتفاقياتها مع القطاعات الخاصة أي عيب من العيوب.

من جهته، أكدّ المختص الاقتصادي محمد السمهودي، أن الاتفاق الذي ابرمته حكومة التوافق مع شركة بالتل للاتصالات، لا يضمن العدالة الكاملة للحق الفلسطيني العام، ومن شأنه ان يهدر مقدرات السلطة المالية.

وقال السمهودي في تصريحات صحفية، "كان ينبغي أن تعطى الفرصة لمنافسين اخرين بما يحقق مهنية اكثر، وأن تعلن السلطة على استجلاب شركات جديدة، وأن يكون هناك تقدير من شركات استشارية متخصصة لمدى الأرباح التي تحققها الشركة".

وأضاف أن الشركة تحقق إيرادات اكبر بكثير من قيمة الاتفاق الذي حصلت عليه السلطة، وهناك تفويت حقيقي لمدى استفادة السلطة لمزيد من الإيرادات التي يمكن  تحصيلها من الشركة.

غياب التشريعي

واتفق كلاً من عبد العاطي والسمهودي على أن غياب دور المجلس التشريعي الرقابي على هذا الاتفاق كان له أثر سلبي عليه، وطالب عبد العاطي بضرورة إعلان الاتفاقية وإشراء التشريعي في منح الامتياز تأكيداً للفصل بين السلطات، إصدار التشريعي قوانين تنظم عمل الشركات، الى جانب عقده جلسات علنية للاستماع على الشركات وأرباحها.

جهات حقوقية اعترضت على الاتفاق أيضاً، حيث أكدت الهيئة المستقلة لحقوق الانسان وائتلاف أمان وجمعية حماية المستهلك، غياب الشفافية وعدم توفر أية معلومات حول بنود الاتفاقية الجديدة ما بين الحكومة و"بالتل".

وطالبت المؤسسات الثلاث الحكومة بالإسراع في تشكيل هيئة تنظيم قطاع الاتصالات على أسس تضمن مفهوم الاستقلالية والمهنية، وضمان شفافية المفاوضات وتجنب تضارب المصالح بشأن تجديد الرخصة.

وشددوا على ضرورة عرض الاتفاقية على الكتل البرلمانية بالمجلس التشريعي ومؤسسات المجتمع المدني والجمهور، وفتحها للنقاش العام بما يخدم المصلحة العامة، مؤكدين أن موضوع الاتصالات مرتبط بجملة من حقوق الإنسان وعلى رأسها حقوق المستهلك الفلسطيني والحق في المعرفة والوصول للخدمة مع التكلفة المعقولة.

ويذكر أن اللجنة الاقتصادية بالمجلس التشريعي قدمت رأياً قانونياً عام 2003  اعتبرت فيه الاتفاقية الموقعة ما بين شركة الاتصالات ووزارة الاتصالات تحتاج الى اصدار قانون يشرعنها، كما أكد هذا الرأي على وجود العديد من المخالفات القانونية في الاتفاقية الموقعة.

وباشرت مجموعة "بالتِل" أعمالها عام 1997 كشركة مساهمة عامة بهدف تقديم خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية والإنترنت في فلسطين، وتضم كلاً من شركات: الاتصالات (بالتل) التي تقدم خدمات الخط الثابت، والاتصالات الخلوية (جوال)، وحضارة للاستثمار التكنولوجي، المزودة لخدمات الإنترنت، وريتش لخدمات الاتصالات، إضافة إلى (بالميديا) للخدمات الإعلامية متعددة الوسائط.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة