كشف السفير الفلسطيني السابق لدى لبنان، ومشرف حركة فتح، أشرف دبور عن تفاصيل مثيرة تتعلق ببيع عقارات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، في ما وصفه مراقبون بأنه تجاوز مالي وإداري واضح، يثير الشكوك حول إدارة أصول المنظمة في الخارج .
وأكد دبور أنه اعترض بشدة على عملية البيع ووجّه رسالة رسمية إلى الرئيس محمود عباس موضحًا موقفه الرافض لإتمام الصفقة، معتبراً أن الاستثمار في العقار لمصلحة أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان كان الخيار الأنسب بدلاً من التفريط به.
وأوضح دبور في سلسلة منشورات على حسابه في موقع فيسبوك أن العقار محل الحديث هو مبنى مسجّل باسم المرحومة سلوى الحوت، في حين كانت الأرض المجاورة مسجلة باسم أحد المسؤولين اللبنانيين.
وأضاف أن المسؤول اللبناني تنازل لاحقًا عن الأرض بناءً على طلب القائد الراحل فاروق القدومي (أبو اللطف) لصالح لبناني آخر، قبل أن تبدأ الإجراءات الرسمية التي أوصت بها لجنة الشرعية الفلسطينية بمتابعة الملف وطرح العقار والأرض للبيع.
وأشار إلى أن هذه اللجنة كانت مكلفة بالإشراف على أصول منظمة التحرير في لبنان وضمان اتباع الإجراءات القانونية، بما يشمل مطالبة الشخص الذي سجلت الأرض باسمه بالتنازل الرسمي والنهائي.
نصف القيمة الحقيقية
وحسب دبور، بدأت اللجنة بعد استكمال إجراءات التنازل في دراسة ملف العرض وطرح العقار والأرض للبيع، رغم اعتراضه على مبدأ البيع.
وأوضح أن السعر المعروض للبيع لم يكن يساوي نصف القيمة الحقيقية للعقار والأرض وفق تقديرات لجنة التخمين العقاري، ما دفعه إلى مراسلة الرئيس عباس رسميًا لتوضيح موقفه ورفضه التفريط بالأملاك الفلسطينية.
وعلى الرغم من اعتراضه، أكّد السفير دبور أن لجنة البيع واصلت إجراءاتها، وقد تمت العملية بالفعل، مع وعد بالكشف لاحقًا عن الفارق الكبير بين السعر الحقيقي وسعر البيع الفعلي، ضمن سلسلة توضيحات وصفها بأنها "موثّقة ودقيقة" حول أملاك منظمة التحرير في لبنان.
و بحسب موقع "الشاهد" كان ياسر عباس، نجل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وصل إلى بيروت في أغسطس الماضي من أجل “تقصي مصير ممتلكات عائدة لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت ومناطق أخرى، يشتبه بأنها سجلت بأسماء أشخاص ونافذين”، ومن أجل ذلك، رافقه وائل اللافي، مسؤول التحقيق في لجنة المؤسسات في المنظمة.
وكشفت مصادر لبنانية في وقت سابق أن ياسر عمل خلال زيارته لإحصاء أملاك منظمة التحرير وحركة فتح من أجل عرضها للبيع والاستيلاء على أموالها لتذهب إلى رصيد والده وعائلته.
وأشارت المصادر أن لجنة إحصاء ممتلكات المنظمة في بيروت والمناطق التي يرأسها نجل عباس طلبت من عدد كبير من اللبنانيين والفلسطينيين، من مستثمرين وسياسيين وإعلاميين، التنازل عن عقارات وشقق وسيارات كُتبت باسمهم من قبل شبكة نافذين في السلطة وفتح.
وقدرت المصادر أن قيمة تلك الأملاك بمئات ملايين الدولارات، مشيرةً إلى أن عملية بيعها ستتم بصورة عاجلة خلال الأسابيع المقبلة، على أن تنتقل تلك اللجنة للعمل من أجل بيع أملاك المنظمة وحركة فتح في سوريا.
ولم يرى الشعب الفلسطيني على مدار 61 عامًا مرت على تأسيس منظمة التحرير سوى الفتات من عشرات مليارات الدولارات التي جمعتها بعد أن روجت لنفسها كوجهة لأبرز للدول والمنظمات والهيئات حول العالم التي تريد تقديم الأموال للفلسطينيين.
وأثار كشف دبور ردود فعل واسعة داخل الأوساط الفلسطينية، حيث رأى العديد من المراقبين أن هذه العملية تطرح تساؤلات حول شفافية إدارة أصول منظمة التحرير وحماية المال العام الفلسطيني.
وثائق دقيقة
وأشاد الباحث بالشؤون الفلسطنينة محمود كلم بمواقف دبور، واصفًا إياه بأنه وضع الأمور في نصابها الصحيح وقدم رواية مسؤولة تعكس انتماءه العميق لشعبه وقضيته.
وأكد كلم أن صمت دبور طوال السنوات الماضية كان نابعًا من حرصه على وحدة الشعب الفلسطيني وتقديره لتضحياته، وأن كشف الحقائق في هذا التوقيت لا يهدف إلى إثارة الفتنة بل هو واجب وطني وأخلاقي يحافظ على ثقة الشعب بقياداته الوطنية.
وتظل قضية بيع العقار والأرض في بيروت واحدة من أبرز الملفات المالية والإدارية المثيرة للجدل في السلطة الفلسطينية، وسط مطالبات بمزيد من التحقيق والشفافية في التعامل مع أصول منظمة التحرير في الخارج.
وأكد السفير دبور أنه سيكشف لاحقًا عن وثائق دقيقة توضح القيمة الحقيقية للعقار والفارق بين السعر الرسمي وسعر البيع، إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بأملاك المنظمة، في ما وصفه بمسؤولية وطنية وأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته، داعيًا إلى احترام المال العام ومصلحة الفلسطينيين في الشتات، وعدم التفريط بأصول المنظمة بأي شكل من الأشكال.
وفي هذا السياق كشف القيادي في حركة فتح حسام خضر فى تصريحات سابقة أن جزء من أموال منظمة التحرير كانت تدار من خلال مؤسسة “صامد” التي أنشئت أواخر ستينات القرن الماضي، إلا أنها ألحقت بالسلطة وانتهى عملها بعد ذلك.
وأوضح خضر في تصريحه أن المنظمة لها عديد المشاريع الكبيرة في الكثير من دول العالم ومنها أفريقيا في مجال الطيران والزراعة والصناعة، إلا أن غالبية المؤسسات والمشاريع سجلت بأسماء أشخاص مات غالبيتهم، وبات مصير أموال المنظمة مجهولاً.
واعتبر تسجيل المؤسسات والمشاريع بأسماء شخصيات السبب الرئيس في التسيب المالي الذي رافق عمل المؤسسة آنذاك، وكذلك الصندوق القومي لاحقاً، والتي هي أموال للشعب الفلسطيني.
وطبقا لما كشفته صحف أمريكية وبريطانية في فترات سابقة، فإن نجل عباس يدير شركات تدر مليارات الدولارات، من أهمها شركة “فيرست أوبشن” للمقاولات، التي أشرفت على تنفيذ مشاريع بنى تحتية وبناء مدارس وشق طرقات وإنشاء مستشفيات وأبنية للمؤسسات الحكومية.
الفساد ليس محدودًا
كما أسس بعد ذلك في الأردن مجموعة فالكون القابضة التي تضم تحت لوائها عدداً من الشركات، هي: "فالكون للاستثمارات العامة" وتعمل في مجال الاتصالات وتحديداً الهواتف الثابتة، و"فالكون إلكترو ميكانيك كونتراكتينغ" وتعمل في مجال المحطات والمولدات الكهربائية، وأيضاً تضم المجموعة "فالكون غلوبل تلكوم"و"فالكون توباكو كومباني" المتخصصة باستيراد كافة أنواع السجائر البريطانية، و"فيرست فالكون" للهندسة المدنية والكهربائية والمقاولات والتجارة.
كما يملك شركة مقاولات تسلمها بعد وفاة شقيقه الأكبر مازن عام 2002، وفي عام 2004 أسس شركة للإنجازات الميكانيكية، كما يترأس مجلس إدارة شركة “المشرق للتأمينات” وهي شركة تأمين فلسطينية ابتاعها ومجموعة من رجال الأعمال الأردنيين عام 1999، وتعتبر الشركة الثالثة في مجال التأمين في الأراضي الفلسطينية.
ونشرت تقارير سابقة في 2025 برزت على الساحة الفلسطينية أزمات فساد مهمة هزّت ثقة الجمهور في السلطة. أبرزها قضية نظمي مهنا — مدير عام هيئة المعابر والحدود — الذي جرت استدعاؤه مع 15 شخصًا آخرين بينهم من أفراد عائلته وموظفين، للتحقيق أمام القضاء بتهم تتعلق بفساد وتهريب آثار، مع رفع السرية المصرفية وتتبع ممتلكاتهم، وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة كجزء من التحقيق.
ردّة الفعل على هذه التحقيقات لم تقتصر على محاسبة فردية: فقد ألغي عمل أحد السفراء — سامي مهنا — في ألبانيا ضمن خطوات شملت مراجعة موقع ممثلين دبلوماسيين، بعد تورّط والده نظمي مهنا في الفضيحة.
كما تمت إقالة مسؤول كبير آخر كان يدير قطاع النقل والمعابر في السلطة — طارق زعرب — بعد فتح تحقيقات مماثلة تتعلق بشبهات فساد واختلاس مالي.
في هذا المناخ، تبدو قضية التي كشفها قريبًا املاك المنظمة فى بيروت حول بيع عقارات تابعة لمنظمة التحرير في لبنان — جزءًا من موجة من الفضائح التي ترجّح أن تكون مؤشراً على عمق الأزمة المالية والإدارية في أوساط قيادة السلطة، وأنّ الفساد ليس محدودًا بمعابر أو نقل أو آثار فقط، بل يمكن أن يصل إلى أصول عقارية وتاريخية للمنظمة.
