استبدلوا كعك العيد بعلب "الفول"

تقرير كيف سرقت الحرب طقوس "الغزّيين" واحتفالاتهم بعيد الفطر؟

 

يومٌ واحد ويدق على أبوابنا عيد الفطر السعيد الذي طالما انتظرناه بشوق وحرارة، فأيّ طقوس تشبه طقوسنا، ونحن نستقبله باللباس الجديد كعكه وأصوات التكبيرات التي تملأ كل شارع في غزة.

هذا العام، كلُّ شيء مختلف، فملامح العيد اختفت تمامًا في أسواق مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بفعل الحرب "الإسرائيلية" المدمرة والتي دخلت شهرها السابع على التوالي.

وعادةً ما تزدحم أسواق قطاع غزة في مثل هذه الأيام من العام بروّادها من المواطنين، وتتعالى أصوات باعة الحلويات والمكسرات والكعك عبر مكبرات الصوت، لجذب الزبائن، إلّا أن حالة الدمار الكبيرة بدّدت هذه المظاهر وحلّ محلها مظاهر الحزن والتشرد في الخيام.

عيد2.jpg

في أحد شوارع مدينة رفح جلس الشاب الأربعيني عاهد الحجار النازح من شمال قطاع غزة، خلف بسطة صغيرة لبيع المعلبات، يقول: في مثل هذا العام كانت أبيع الحلويات والمكسرات في أسواق معسكر جباليا لكن اليوم أقوم ببيع المعلبات للعائلات النازحة.

ويضيف الحجار في حديثه لوكالة "شهاب"، لا توجد أي مظاهر لفرحة العيد، فوجوه الناس حزينة ومن يأتي للتسوق هنا يسعى لتوفير احتياجات عائلته الأساسية وليس لشراء تجهيزات العيد المفقودة من الأسواق أصلًا.

وتسائل الحجار، "كيف بدنا نفرح في العيد واحنا عايشين في الخيام، وشهدائنا لا زالوا تحت الركام، ومنازلنا مدمرة؟".

مشهدٌ آخر، من أمام خيمة مصنوعة من قطع القماش المهلهلة، رفع السيدة اعتدال أبو علي (60 عامًا) صوتها بالقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، كيف بده يجي علينا العيد واحنا بعاد عن بيوتنا وعن أهالينا.

وأضافت أبو علي في حديثها لوكالة "شهاب": "أنا نازحة في رفح وعدد من أولاد وعائلتي موجودين في شمال القطاع، الحرب فرّقت بينا، مش متخيلة كيف بده يجي علي العيد وأنا بعيدة عن أولادي وعائلتي".

وتقول أبو علي إنها كانت في مثل هذه الأيام تصنع كعك العيد والمعمول، وتقوم بطبخ "السماقية" وهي الأكلة التي يحب زوجها وأبناؤها تناولها صباح يوم عيد الفطر إلى جانب بعض قطع الفسيخ المملح، مردفة بحسرة: اليوم لا في سماقية ولا فسيخ وعايشين على المعلبات والعدس.

وفي أحد أسواق مدينة رفح صادفنا السيدة الأربعينية أحلام حسن أثناء اصطحابها لطفلها إلى السوق، سألناها عن استعدادها لاستقبال العيد، لترد بحسرة: هو في عيد؟! كيف بدي احتفل في العيد وأخوي ومرته وأولادهم الثلاثة استشهدوا في الحرب وما حد قادر يطلعهم من تحت الأنقاض.

وتضيف حسن في حديثها: "العيد راح يقلّب علينا المواجع والآلام، وراح نستقبله بالدموع والحزن، راح أتذكر زيارة أهلي في بيتي وهم جايين يعيدوني أنا وأولادي، كانت الفرحة بتملي علي الدنيا لكن اليوم احنا نازحين ومشردين، مردفة: الله ينتقم من الاحتلال اللي شتتنا وسلب منا ومن أطفالنا الفرحة بالعيد.

وتقول حسن إن أطفالها يواصلون البكاء من أجل شراء بعض الملابس وكعك العيد، إلا أنها عاجزة عن تلبية احتياجاتهم بعد ما يزيد عن 6 أشهر من الحرب "الإسرائيلية" التي استنفذت الأموال التي كانت لديها، والتي اضطرت لبيع اخر قطعة من ذهبها لتوفيرهم.

وفي أحد الأسواق الشعبية غرب مدينة رفح والذي يتوسط عددًا من خيام النازحين، جلس الشاب عارف النشار خلف بسطة صغيرة وضع عليها بعض قطع الكعك والمعمول، مشيرًا إلى أن الحركة الشرائية ضعيفة جدًا.

وأضاف النشار: "الناس وضعها صعب والحزن مرسوم على وجوه الجميع، مضيفًا: بعض المواطنين يضطرون لشراء بعض قطع الكعك والمعمول تحت الإلحاح الشديد من أطفالهم وليس احتفالًا أو تحضيرًا لاستقبال عيد الفطر الذي لم يعد له طعم سوى طعم الحزن والفقد.

ويقول النشار إنه كان في مثل هذه الأيام يبيع كمية كبيرة من الكعك والمعمول حتى آخر أيام شهر رمضان، لكن هذا العام لم نبع سوى كمية قليلة، فكثير من الناس يسأل عن سعر الكعك ويغادر دون أن يشتري بسبب ارتفاع سعر تكلفة أعداد الكعك.

وارتقى ما يزيد عن 33 ألف شهيد و70 ألف جريح منذ بدء الحرب "الإسرائيلية" على قطاع غزة، والتي دمرت عددًا كبيرًا من منازل المواطنين والمدارس والمساجد والمستشفيات والبنية التحتية.

ويعيش ما يزيد عن مليون و300 ألف نازح ظروفًا معيشية صعبة في خيام النازحين في وسط وجنوب قطاع غزة، في ظل انعدام أدنى مقومات الحياة والخدمات الصحية والمعيشية.

ويأمل النازحون بوقف الحرب في أقرب وقت، من أجل العودة إلى منازلهم ومناطقهم التي نزحوا منها قسرًا بعد تدمير الاحتلال لبيوتهم، وقتل ذويهم.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة