تقرير – شهاب
بعد عامين من حربٍ وُصفت بأنها الأشد دموية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تتكشف ملامح مرحلة جديدة فرضتها غزة بصمودها وثباتها، بعدما فشل الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق أهدافه المعلنة، واضطر إلى القبول باتفاق لوقف إطلاق النار اعتبره محللون إقرارًا رسميًا بالفشل العسكري والسياسي.
فمن "القضاء على المقاومة" إلى "استعادة الأسرى بالقوة"، سقطت شعارات حكومة الاحتلال الإسرائيلي تباعًا أمام صمود المقاومة والحاضنة الشعبية في غزة التي واجهت آلة الحرب لأكثر من 733 يومًا متواصلة، لتثبت أن مشروع التهجير والاقتلاع قد فشل، وأن الإرادة الفلسطينية استعصت على الانكسار.
ويرى محللون سياسيون وعسكريون أن نتائج الحرب الأخيرة أعادت صياغة معادلات القوة في المنطقة، وأكدت أن الأمن والاستقرار الإقليمي لن يتحققا إلا عبر حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينية وإقامة دولة مستقلة تضمن حق تقرير المصير.
الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين والخبير العسكري الأردني نضال أبو زيد، قدّما في حديثهما لوكالة "شهاب" للأنباء قراءةً متقاطعة لمآلات الحرب، اتفقا فيها على أن غزة، رغم الكارثة الإنسانية التي عاشتها، انتصرت بإرادتها وصمودها، فيما خسر الاحتلال رهانه على القوة المفرطة.
ركائز العدوان ودلالاته
الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين، قال إن أجواء الفرح والارتياح التي عمت شوارع غزة عقب الإعلان رسميًا عن انتهاء الحرب، جاءت ممزوجة بالألم والوجع الذي عاشه الفلسطينيون على مدار عامين كاملين من الدمار والمعاناة والنزوح.
وأوضح ياسين، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن فرح الغزيين لا يعني نسيان المآسي التي مروا بها، بل هو فرح بنهاية الحرب الأشد دموية في التاريخ الحديث، والتي "انتهكت فيها إسرائيل جميع القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، حتى إن شريعة الغاب تنفر من فظائعها".
وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي اعتمد في حربه على غزة على ثلاث ركائز رئيسية، أولها الصمت الدولي، حيث اكتفت الأنظمة الرسمية والمؤسسات الحقوقية ببيانات الشجب والاستنكار دون اتخاذ خطوات عملية لوقف العدوان، مثل فرض العقوبات أو وقف تصدير السلاح لإسرائيل، رغم أن مثل هذه الإجراءات كانت كفيلة بوقف الحرب مبكرًا.
والركيزة الثانية، تمثلت بتسويق نفسه ككيان وظيفي يخدم المصالح الغربية، عبر الزعم بأنه يقاتل نيابة عن الغرب لمحاربة الإسلام والسيطرة على المنطقة، وهو ما تحدث به علنًا كل من رئيس الكيان يتسحاق هرتسوغ ووزير الخارجية جدعون ساعر.
أما الركيزة الثالثة فهي استخدام القوة المفرطة ومنهج العصابات في القتال، الذي أدى إلى دمار واسع النطاق وسقوط أعداد هائلة من الشهداء والجرحى، في انتهاك صارخ لكل المعايير الأخلاقية والعسكرية.
وأكد ياسين أن "اتفاق وقف إطلاق النار" يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة، أبرزها:
أولاً: إفشال مشروع التهجير القسري الذي سعى إليه الاحتلال الإسرائيلي من خلال الضغط على المدنيين عبر القصف والتجويع والنزوح، مشيرًا إلى أن بقاء الفلسطينيين في غزة رغم كل ذلك حطم أوهام اليمين المتطرف الذي كان يخطط لتهويد القطاع بالكامل.
ثانيًا: إقرار إسرائيلي ضمني بالفشل العسكري، إذ إن مصادقة الحكومة والكابينت المصغّر على الاتفاق تعني اعترافًا بعدم تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وعلى رأسها القضاء على حركة حماس التي احتفظت بقدرتها التنظيمية رغم الخسائر الكبيرة.
ثالثًا: إجبار حكومة نتنياهو على المفاوضة من موقع الاضطرار، بعد أن فشلت في إعادة الأسرى بالقوة، واضطرت إلى القبول باتفاق تبادل على خلاف وعودها السابقة.
رابعًا: انهيار مشروع نتنياهو لتشكيل "شرق أوسط جديد" وفق رؤيته، نتيجة الضغوط المحلية والدولية والأمريكية التي أجبرته على القبول بالاتفاق وفقدان الشرعية لاستمرار الحرب.
خامسًا: إدراك المجتمع الدولي بعد هذه الحرب أن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال حل عادل للقضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تضمن حق تقرير المصير.
وشدد ياسين بالقول إن الحرب الأخيرة على غزة لم تكن فقط حربًا ضد البشر والحجر، بل كانت معركة بين مشروع الإبادة ومشروع البقاء الفلسطيني، مؤكدًا أن غزة خرجت من تحت الركام لتثبت للعالم أن إرادة الحياة أقوى من كل أدوات الموت.
فشل مخطط "إسرائيل الكبرى"
ومن جانبه، أكد الخبير العسكري الأردني نضال أبو زيد أن ما حققته غزة خلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت أكثر من عامين يُعد "إنجازًا غير مسبوق"، مشيرًا إلى أن صمود المقاومة وحاضنتها الشعبية على مدار 733 يومًا من القتال شكّل نقطة التحول في مسار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
وقال أبو زيد في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إن "غزة حققت نجاحًا تاريخيًا في منع الاحتلال من تحقيق أيٍّ من أهدافه العسكرية أو السياسية، رغم استخدامه أقصى درجات القوة والدمار ضد المدنيين والبنى التحتية"، موضحًا أن هذا الصمود الأسطوري يُسجّل للمقاومة وحاضنتها الشعبية التي التفت حولها في أحلك الظروف.
وأضاف أن "الشعب الفلسطيني في غزة واجه الماكينة العسكرية المصنفة رقم (18) عالميًا، وهي قوة نووية – إسرائيل – واستطاع أن يُفشل مخطط الاحتلال تحت ما تحدث به نتنياهو عن (إسرائيل الكبرى)"، لافتًا إلى أن التحام الجبهة الداخلية في غزة منع الاحتلال من إحداث أي اختراق أو تفكيك للعلاقة بين المقاومة وجمهورها.
وبيّن الخبير العسكري أن نجاح المقاومة في الصمود طيلة فترة الحرب كان نتاجًا للتكامل بين العمل المقاوم والاحتضان الشعبي، مشيرًا إلى أن "الحاضنة الشعبية في غزة لم تكتفِ بدعم المقاومة ميدانيًا، بل تبنّت فكرها وشعارها القائم على أن الحجر يُدمّر والشجر يُقلع والإنسان يُستشهَد، لكن الفكرة لا تموت".
وأشار أبو زيد إلى أن غزة ليست جديدة على الحروب، قائلاً: "منذ عام 2008 خاضت غزة خمس حروب، أي بمعدل حرب كل ثلاث سنوات، ولذلك لم تكن معركة السابع من أكتوبر حدثًا مفاجئًا بقدر ما كانت امتدادًا لمسيرة صمود طويلة ومتجذّرة".
وأضاف أن تجربة الحرب الأخيرة عززت فكرة بناء حالة مقاومة فلسطينية جديدة يمكن من خلالها "استعادة الحقوق في الضفة وغزة، وتوحيد الحالة الوطنية على قاعدة المواجهة مع الاحتلال".
وختم الخبير العسكري الأردني بالقول: "الحاضنة الشعبية في غزة لم تنقلب على المقاومة، باستثناء بعض الخارجين عن القانون، وحتى الاحتلال تخلّى عنهم، لأنه لا يقبل بالخونة"، مشددًا على أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يجب أن يُبنى على الشعب الفلسطيني في غزة، الذي أثبت أنه القاعدة الصلبة للمقاومة والمشروع الوطني.
ورغم كل ما خلفته الحرب من جراح ودمار، يرى المحللون أن غزة اليوم تقف على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها التمسك بالأرض وإعادة البناء.
