فرصة استراتيجية لن تتكرر.. كيف يستثمر الفلسطينيون التحول الأوروبي تجاه غزة؟

كيف يستثمر الفلسطينيون التحول الأوروبي تجاه غزة؟

تقرير - شهاب

من شوارع لندن إلى ساحات برلين، ومن نقابات باريس إلى جامعات مدريد، تشهد أوروبا في الأشهر الأخيرة حراكًا شعبيًا ودبلوماسيًا ورسميًا غير مسبوق دعمًا لغزة، في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل، والحصار المفروض على القطاع، والكارثة الإنسانية التي تطال أكثر من مليوني فلسطيني محاصَر.

وما يميز هذا الحراك أنه لم يعد محصورًا في دوائر التضامن التقليدي، بل تحوّل إلى حركة ضاغطة متعددة المستويات تشمل الشارع، والمؤسسات الأكاديمية، والنقابات، والبرلمانات، وحتى بعض مراكز القرار الرسمية، وبدأت تظهر تحولات على مستوى الخطاب السياسي الرسمي في أوروبا، الأمر الذي يفتح نافذة استراتيجية أمام الفلسطينيين لإعادة تدويل قضيتهم، وتحويل الدعم الأخلاقي إلى ضغط سياسي وقانوني لمحاكمة قادة الاحتلال.

وهنا تبرز فرصة سياسية وإنسانية نادرة ينبغي على الفلسطينيين أن يستثمروها أفضل استثمار، فلم يعد العالم غافلًا عمّا يجري، ولم تعد صور المجازر محجوبة، ولا الرواية الإسرائيلية قادرة على احتكار المشهد.

ترجمة هذه اللحظة التاريخية وتحويلها إلى منجز سياسي يتطلب أدوات تتجاوز القنوات الرسمية التقليدية التي تحتكرها السلطة برام الله، التي باتت عاجزة أو متناسية لهذا الحراك الأوروبي الشعبي والدبلوماسي والرسمي.

 

تفعيل الدبلوماسية الشعبية

كما أن الحراك الشعبي في شوارع أوروبا، والدعوات المتصاعدة لمحاسبة الاحتلال في المحافل الدولية، هي تعبير عن وعي عالمي متنامٍ، لكنه بحاجة إلى جهة فلسطينية حقيقية تخاطبه، وهذه ليست وظيفة بيانات رسمية مكررة، بل مسؤولية من عاشوا التجربة الفلسطينية بكامل تجلياتها، من الأسر والمقاومة، إلى العمل الإنساني في قلب المجازر.

عشرات آلاف الشهداء والجرحى، مجاعات، حصار، نكبة جديدة تتكرر، لكن كل هذه التضحيات قد تضيع إذا لم تُترجم إلى منجز سياسي، إذا لم تتحول المعاناة إلى رافعة أخلاقية وسياسية أمام المجتمع الدولي.

ووفق مراقبون، فإنه لا يمكن أن تبقى التضحيات حبيسة الغرف المغلقة والبيانات الروتينية، لقد قدّم الشعب الفلسطيني من دمه وأطفاله ما يكفي ليُفرض على العالم أن يسمع، لكن الصوت لا يصل وحده، لا بد من منبر نقي، صادق، موثوق، يعبّر عن الناس بلسانهم لا بلسان السلطة برام الله.

وبحسب مراقبون، فإن الفرصة اليوم ليست في الأفق، بل في متناول اليد، وما تحتاجه فقط هو قرار جريء بتفعيل الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية، بوجوه قادرة على كسر الجدران، وصوت لا يخاف من الحقيقة.

كما أن الدبلوماسية الشعبية ليست بديلًا عن العمل الرسمي، لكنها رافعة ضرورية في هذا الزمن الرمزي، لأنها أداة تستطيع أن تصل إلى النقابات، والجامعات، ووسائل الإعلام، والبرلمانات الأوروبية، وأن تخاطب الشعوب بلغة القلب والعدالة، لا بلغة المصالح الباردة.

ومن جانبه، قال المحلل السياسي علي أبو رزق، إن الحراك الدولي الذي يجري الآن في أوروبا والتطور الذي جرى اليوم في بريطانيا الأصل أن يتم استثماره عبر وفد شعبي فلسطيني يزور العالم ويقدم رؤية الشعب الفلسطيني ويكسر حالة الحصار الدولي على روايتنا الرسمية.

وأضاف أبو رزق، أن يتألف الوفد الشعبي من شخصيات عليها إجماع وطني وعندها قبول دولي كالأسير المحرر نائل البرغوثي والطبيب الفلسطيني غسان أبو ستة وغيرهم الكثير.

وأشار إلى أن التضحيات المهولة التي قدمها شعبنا في هذه الحرب الأصل أن يتلوها منجز سياسي، وحتى يشعر الناس أن كل هذا الدم والثمن المهول لن يذهب في فراغ، ولنا في تجربة جنوب أفريقيا الملهمة خير مثال.

ونوه إلى أن "ما لا يمكن تحقيقه عبر دبلوماسية الحكومات والتنظيمات، يمكن تحقيقه بالدبلوماسية الشعبية أحيانا".

 

فرصة استراتيجية

ومن جهته، وجّه رئيس المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية ماجد الزير تساؤلًا محوريًا حول ما يمكن أن يفعله الفلسطينيون، والمسلمون، والعرب، كاستثمار سياسي للدماء التي سالت في غزة، وكيف يمكن البناء على حجم التضحيات التي قدمت لتكون رافعة لتغييرات استراتيجية تصب في صالح القضية الفلسطينية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

وأكد الزير أن حجم العمل القائم لم يرقَ بعد إلى المستوى المأمول، ولا يتناسب مع حجم الحدث الكارثي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، على الرغم من بعض المنجزات التي تحققت على صعيد الرأي العام العالمي.

وأشار إلى أن الشريحة الكبرى من المتظاهرين والداعمين للحراك الدولي المناصر لفلسطين في أوروبا والغرب، لا تزال من غير العرب والمسلمين، داعيًا الفلسطينيين في الخارج، وكذلك الجاليات العربية في المهجر، إلى تحمّل مسؤولية أكبر في استثمار هذه التحولات، وتقديم صورة أكثر فاعلية وامتدادًا سياسيًا وشعبيًا.

وقال الزير إن اللحظة الراهنة تمثل فرصة لكل منتمٍ لقضايا الأمة وقضاياه الوطنية، داعيًا إلى بناء تنمية استراتيجية تنطلق من الكيانات المنتشرة في دول الاغتراب، على أن تكون امتدادًا للفرد الفلسطيني أو العربي، الذي يحمل وطنه في فكره وسلوكه أينما حل، مضيفًا أن "هذه الكينونة هي التي تصنع حضارات الشعوب".

ولفت الزير إلى أن مواقف الدول العربية والإسلامية لم ترتقِ بعد إلى استثمار رمزية الحدث كما يجب، وأنه لا تزال هناك إمكانية كبيرة لتحقيق منجزات سياسية ومعنوية على المستوى الدولي، إذا ما اتخذت خطوات عملية وجادة للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني.

وشدد الزير على أن الفلسطينيين مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بـالوحدة الحقيقية، داعيًا إلى تمثيل فلسطيني جامع يعبّر عن الإرادة الشعبية، ويكون قادرًا على التقدم إلى واجهة الحراك الدولي كصوت موحَّد وواضح لقضية عادلة تهم العالم بأسره.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة