الدم والصمود يصنعان التوازن..

اتفاق غزة.. صمود المقاومة يطيح بشعار النصر الإسرائيلي المطلق ويؤسس لتحوّل استراتيجي

اتفاق غزة.. صمود المقاومة يطيح بشعار النصر الإسرائيلي المطلق ويؤسس لتحوّل استراتيجي

تقرير – شهاب

في ظل واحدة من أعنف المراحل التي مرّ بها الصراع الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي، تتكشف اليوم معالم مشهد سياسي وميداني بالغ التعقيد، تتقاطع فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية مع صمود شعبٍ محاصرٍ منذ أكثر من عقد ونصف.

فبعد أكثر من عامين من الحرب المفتوحة والعدوان المتواصل على قطاع غزة، التي طالت الحجر والشجر والبشر، تدخل المنطقة مرحلة جديدة مع الإعلان عن المرحلة الأولى من اتفاق لوقف إطلاق النار، وسط تساؤلات حول مآلاته وآفاقه المستقبلية.

ورغم حجم الدمار الهائل، والمجازر التي طالت المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، فإن المراقبين يؤكدون أن المقاومة الفلسطينية نجحت في قلب المعادلة، إذ أجبرت الاحتلال الإسرائيلي على القبول بمفاوضات لتبادل الأسرى، بعد أن فشل في تحقيق شعارات "النصر الكامل" التي رفعها منذ بداية الحرب.

وبينما تميل موازين القوى ميدانيًا لصالح الاحتلال المدعوم أمريكيًا، فإن الثبات الشعبي والمقاوم داخل غزة أعاد تعريف مفهوم الصمود، وأثبت أن المقاومة لم تُهزم رغم ظروفٍ وُصفت بالمستحيلة.

الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي، أكد على أن المرحلة الأولى من الاتفاق، التي يُفترض أن توقف الإبادة الجماعية على أهالي قطاع غزة، جاءت في ذروة عدوان غير مسبوق في تاريخ الصراع مع الاحتلال، مشددًا على أن المقاومة الفلسطينية صمدت بشكل استثنائي لأكثر من عامين في ظروف مستحيلة، رغم انكشافها الكامل وضعف الإسناد الخارجي.

وأوضح عرابي في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن الاتفاق جاء في ظل موازين قوى تميل بالكامل لصالح الاحتلال، بدعم أمريكي مطلق ومواقف عربية وإسلامية "هزيلة لا يمكن تقديرها"، ومع ذلك نجحت المقاومة في كبح الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية وفرض عملية تبادل أسرى كبيرة، ما أثبت أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لم يتمكن من استعادة أسراه إلا عبر المفاوضات مع حركة حماس، وهي الحركة التي يزعم السعي لتدميرها.

وأشار إلى أن صمود المقاومة وصبر الشعب الفلسطيني داخل قطاع غزة كان السبب الحقيقي في الوصول إلى هذه المرحلة، رغم الأثمان الباهظة من دماء الشهداء ومعاناة الجوع والعطش والدمار والتشريد.

وأضاف أن المفاوض الفلسطيني لم يستسلم للشروط الأمريكية والإسرائيلية، وتعامل بذكاء مع الخطة الأمريكية، إذ حولتها حركة حماس من كمين سياسي إلى فرصة لتعزيز موقعها، فوافقت على الجوانب الميدانية بينما أحالت القضايا الوطنية الكبرى إلى إجماع وطني شامل.

وختم عرابي بالتأكيد على أن التحديات المقبلة في المرحلة الثانية من الاتفاق ستكون صعبة، في ظل استمرار النيات العدوانية الإسرائيلية والأمريكية، لكنه شدد على أن هذا الصمود الأسطوري للمقاومة وأهل غزة هو الذي فرض هذا التحوّل، وأسس لمرحلة جديدة في الصراع تقوم على الثبات وعدم الانكسار.

ومن جانبه، قال المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد، إن جميع المحللين والخبراء والمختصين والسياسيين في "إسرائيل" يعترفون بشكل واضح بأن شعارات النصر المطلق وما كان يردده بنيامين نتنياهو بشأن قرب النصر فشلت فشلاً ذريعا.

وأشار شديد في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إلى إن "إسرائيل" لم تحقق أي من أهدافها رغم المجازر وعمليات القتل والتدمير في قطاع غزة، التي أدت إلى استشهاد المئات من الفلسطينيين، جلهم من المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ ومرضى وكبار السن.

وأضاف، أن الاحتلال دمر المستشفيات والجهاز الطبي والجامعات والمعاهد والمدارس والمختبرات والمساجد والبنى التحتية، مؤكداً أن الهدف كان إنهاء كل مقومات الحياة في غزة، وإجبار السكان على الهجرة، بحيث لا يجد العائدون أي مكان صالح للعيش.

وشدد شديد بالقول: "رغم الألم الفلسطيني وهذا الثمن الكبير الذي دفع، إلا أن الإسرائيلي يعترف على الأقل أنه فشل في تحقيق أهدافه"، مؤكداً أنه سيتم إعادة بناء غزة وبناء الإنسان الفلسطيني الذي أراد الاحتلال تدميره، وإعادة بناء كل ما تم تدميره من قبل آلة العدو الإسرائيلي.

هكذا، وبعد عامين من العدوان، يتفق المحللان عرابي وشديد على أن ما جرى في غزة لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل معركة إرادات وصمود، أثبت فيها الشعب الفلسطيني والمقاومة أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع كسر الإرادة الوطنية.

وبينما يستعد الطرفان لمرحلة ثانية من الاتفاق مليئة بالتحديات، يبدو أن التحوّل الحقيقي الذي فرضته غزة لن يكون في ساحات القتال فقط، بل في وعي المنطقة والعالم بمعنى الصمود الفلسطيني، الذي أعاد رسم معادلات القوة والسياسة في الشرق الأوسط بأسره.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة