تقرير – شهاب
بعد عامين من الحرب الدامية والحصار الخانق والدمار الذي طال الحجر والبشر، جاء إعلان وقف إطلاق النار بين قوى المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي ليشكّل محطة فارقة في تاريخ الصراع المفتوح على الأرض الفلسطينية، لا بوصفه نهايةً للمعاناة، بل باعتباره تحوّلًا في قواعد اللعبة السياسية والميدانية.
فقد استطاعت المقاومة، بحسب مراقبين، أن تفرض معادلة جديدة قوامها الصمود والإرادة، رغم حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها آلة الحرب الإسرائيلية، بينما وجدت "إسرائيل" نفسها مضطرة للقبول بوقف النار من دون تحقيق أهدافها المعلنة، في مشهد يعبّر عن إخفاق استراتيجي غير مسبوق في تاريخها العسكري والسياسي.
الهدنة، التي جاءت بعد جولات ماراثونية من المفاوضات والوساطات الإقليمية والدولية، مثّلت بالنسبة للفلسطينيين لحظة استراحة محارب، وفرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف، لكنها في الوقت ذاته أثارت تساؤلات عميقة حول طبيعتها ومآلاتها، فهل هي مجرد تهدئة مؤقتة، أم بداية لتحوّل استراتيجي يعيد رسم معادلات القوة على الأرض؟
بين قراءة سياسية ترى فيها اعترافًا ضمنيًا بدور المقاومة كلاعب لا يمكن تجاوزه، وقراءة قانونية تعتبرها تتويجًا لصمودٍ أسطوري في وجه الإبادة، تتعدد المواقف لكن تبقى الحقيقة الثابتة، كما يجمع المحللون، أن ما بعد هذه الهدنة لن يكون كما قبلها.
تتويج للصمود الأسطوري
الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، قال إن إعلان وقف إطلاق النار بين قوى المقاومة وقوات الاحتلال يأتي تتويجًا لعامين من "صمودٍ أسطوري"، مؤكّدًا أن الهدنة ليست هزيمة لأي طرف، بل تحوّل في إدارة الصراع وتثبيت معادلات جديدة على الأرض.
وقال عفيفة في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إن "الهدنة التي انتزعتها المقاومة من بين النار والإبادة تكرّس معادلة واضحة: لا خضوع، ولا نهاية للمقاومة".
وأضاف: "هذه ليست هدنة تُقاس بموازين القوة فحسب، بل نتيجة لميزانٍ آخر، وهو ميزان الإرادة والتشبّث بالحقوق والثوابت".
وبحسب عفيفة، فإن قراءة الإعلان على صعيد السياسة تفيد بأنه اعتراف ضمني بدور المقاومة كلاعب سياسي لا يمكن تجاوزه، وبفشل الحلول العسكرية في إخضاع قطاع غزة.
وبيّن أن المجتمع الدولي والوسطاء، وعلى رأسهم القوى الكبرى، قد لعبوا أدوارًا في الضغط والتفاوض، "لكن السردية الفلسطينية ظلت ثابتة وواضحة: وقف النار إنقاذ للأرواح، وليس تنازلًا عن الحقوق".
وأضاف: "في الميدان، الهدنة هي استراحة محارب. فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الصفوف، والاستعداد لمواصلة معركة الوجود والكرامة".
وأكد أن المقصود من "الاستعداد" ليس تجديد القتال فحسب، بل الشروع في طريق العدالة ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب عبر كل السبل المشروعة.
وأشار عفيفة إلى أن الشعب الفلسطيني في غزة لا يرى في وقف النار خاتمةً للمعاناة، بل بداية لمرحلة جديدة تحمل عنوانًا واحدًا وهو استرداد الحقوق ومساءلة المسؤولين عن الجرائم.
وقال: "لن تُطوى صفحة الحرب في غزة، بل ستُفتح صفحة تبدأ فيها معركة العدالة"، مشددًا على أن "الصمود هو الذي أوقف الحرب، والعدالة هي التي ستكمل الطريق".
ودعا المجتمع الدولي إلى تحويل الهدنة إلى نقطة انطلاق لخطوات عملية تحفظ حياة المدنيين وتضمن وصول المساعدات وفتح المعابر، وتشكّل مدخلاً حقيقيًا لحل شامل يحترم حقوق الفلسطينيين ويكفل كرامتهم.
هزيمة استراتيجية للاحتلال
ومن جانبه، أكد محمد مهران أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، أن الاحتلال الإسرائيلي فشل فشلا ذريعا في تحقيق أهدافه المعلنة رغم حرب الإبادة الجماعية التي شنها على غزة والدمار الهائل الذي ألحقه بالقطاع.
وبين مهران، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن وقف إطلاق النار دون تحقيق نتنياهو لوهم النصر المطلق يمثل هزيمة استراتيجية للاحتلال وانتصارا للمقاومة الفلسطينية التي صمدت رغم كل الآلة العسكرية "الإسرائيلية" الجبارة، مؤكدا أن الاحتلال فشل في تدمير حماس أو تحرير الأسرى بالقوة أو كسر إرادة الشعب الفلسطيني وهي الأهداف الثلاثة التي أعلنها منذ بداية العدوان.
وأوضح أن ارتكاب جريمة الابادة الجماعية أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير قطاع بأكمله، ولم يحقق "لإسرائيل" أي مكاسب استراتيجية بل عزلها دوليا وعرض قادتها للمحاسبة أمام المحكمة الجنائية الدولية، لافتا إلى أن القانون الدولي يؤكد أن استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين لا يحقق أهدافا عسكرية مشروعة بل يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأكد أن قبول "إسرائيل" بوقف إطلاق النار دون تحقيق أهدافها المعلنة يعني اعترافا ضمنيا بالفشل وبقوة المقاومة التي أجبرتها على القبول بشروط لم تكن ترغب فيها، لافتا إلى أن الصمود الفلسطيني الأسطوري سيبقى شاهدا على أن الإرادة لا تُكسر بالقنابل وأن الحق لا يموت مهما طال الظلم.
وشدد على أن المحاسبة الدولية قادمة لا محالة وأن جرائم الإبادة الجماعية موثقة بشكل غير مسبوق مؤكدا أن التاريخ سيسجل انتصار إرادة الشعب الفلسطيني على آلة القتل الإسرائيلية.
المقاومة تفرض شروطها
ومن جهته، قال المحلل السياسي محمد القيق إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يواجه اليوم واقعًا مغايرًا لما كان يتحدث عنه في بداية الحرب، فبعد أن كان يرفع شعار "سحق حماس"، أصبحت المقاومة الفلسطينية في شرم الشيخ وتفرض شروطها التي أعلنها أبو عبيدة منذ اليوم الأول، مؤكدًا أنه "لا أسرى دون صفقة تبادل، ولا إفراج دون معادلات المقاومة".
وأوضح القيق في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن نتنياهو يحاول الآن "اللعب على بعض الأوتار السياسية والإعلامية"، لكن هذه المحاولات تجري ضمن معادلة ميدانية متكاملة تفرضها المقاومة، مشيرًا إلى أن الساعات القادمة حساسة في ضوء محاولات الاحتلال وواشنطن (ترامب تحديدًا) تفسير بعض النقاط بما يخدم مصالحهما.
وأضاف القيق أن العمق العربي والإسلامي الذي تشكل دعمًا للمقاومة جعل موقفها أكثر قوة، لافتًا إلى أن دخول تركيا على الخط منح هذا الموقف "بصمة إضافية مؤثرة".
وأشار إلى أن الاحتلال فشل في ملف الأسرى رغم ادعاءاته المتكررة بأنه سيعيدهم بالقوة، وقال: "إذا كان فشل في هذا البند، فكيف سيكون حاله في الملفات الأخرى التي تتكشف تباعًا؟".
وشدد القيق على أن الاحتلال أراد أن يجعل من غزة ورقة كسر وإخضاع، لكن أهلها صمدوا رغم الألم والخسائر، مضيفًا: "بدل أن يقول نتنياهو كسرنا غزة، تقول غزة اليوم بجراحها: صمدنا وانتصرنا بإرادتنا".
