تقرير – شهاب
بعد شهور طويلة من الدمار والدماء في قطاع غزة، ومع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين المقاومة الفلسطينية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، تتجه الأنظار مجددًا إلى مستقبل هذا الاتفاق واحتمالات التزام الاحتلال به، وسط تساؤلات حول ما إذا كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيعود إلى الحرب كما فعل في المرة السابقة، أم أن المشهد الإقليمي والدولي تغير بما يجعل تكرار السيناريو ذاته شبه مستحيل.
وبحسب مراقبون، فإن الظروف اليوم تختلف جذريًا عمّا كانت عليه مطلع العام، فالولايات المتحدة بزعامة دونالد ترامب تميل إلى نهج أكثر براغماتية يسعى لإغلاق ملف الحرب وفتح باب تسوية شاملة في الشرق الأوسط، بينما تواجه حكومة الاحتلال أزمة داخلية خانقة وضغوطًا دولية غير مسبوقة، بعد أن تراجعت صورتها عالميًا وتزايدت الدعوات إلى محاسبة قادتها أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ويرى محللون أن تراجع الدعم الأميركي غير المشروط، وازدياد العزلة السياسية، والرفض الشعبي داخل الكيان الإسرائيلي لاستمرار الحرب، كلها عوامل تجعل قرار العودة إلى القتال مكلفًا سياسيًا وأمنيًا، رغم بقاء النزعة التصعيدية حاضرة في خطاب نتنياهو.
ورغم أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سبق أن تنصّل من اتفاق مشابه في يناير/كانون الثاني الماضي ليعاود الحرب بصورة أكثر ضراوة، فإن محللين يرون أن تكرار السيناريو ذاته اليوم يبدو أمرًا بالغ الصعوبة، بفعل تغير البيئة السياسية الدولية.
الخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري، يرى أن الموقف الأميركي الراهن أكثر واقعية من السابق، موضحًا أن ترامب بات يدرك أن "إسرائيل لا تستطيع محاربة العالم كله"، في إشارة إلى حجم الضغوط العربية والإسلامية التي واجهها خلال قمة نيويورك الأخيرة.
وأضاف الزويري، أن صورة الكيان الإسرائيلي المتراجعة على الساحة الدولية ستحدّ من قدرتها على العودة للقتال، في وقت يسعى فيه ترامب لتحقيق اختراق دبلوماسي أوسع قد يمتد إلى ملفات معقدة مثل العلاقة مع إيران.
ويعتقد الزويري أن الحرب على غزة تقترب من نهايتها، بعدما فقد نتنياهو الغطاء السياسي الأميركي الكامل الذي كان يتمتع به سابقًا، رغم استمرار حديثه عن "خطة" بدلًا من "سلام"، وهو ما يعكس "هوسه بفكرة النصر العسكري المطلق".
وفي المقابل، لم يستبعد الخبير احتمال نكوص نتنياهو عن التزامه بالهدنة إذا تغيّر موقف واشنطن، لكنه يرى أن الولايات المتحدة تسعى حاليًا لتحقيق نجاح ملموس في الشرق الأوسط لتعويض إخفاقاتها في ملفات أخرى مثل الحرب الأوكرانية والصراع الاقتصادي مع الصين.
كما أشار الزويري إلى أن شخصية ترامب وطبيعة تفكيره السياسي تجعلان من استمرار دعمه للحرب أمرًا غير مرجّح، إذ "يميل إلى الحلول السريعة والمكاسب الانتخابية"، ويريد تحقيق إنجاز يمكن للجمهوريين تقديمه للناخبين على أنه خطوة نحو "سلام تاريخي" يخدم مصالح جميع الأطراف.
ويتفق الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمد هلسة، مع حديث سابقه بقوله إن نتنياهو "لن يقدم على خطوة معاكسة في هذه المرحلة لأنه سيكون في مواجهة مع غالبية المجتمع الإسرائيلي".
ومن المتوقع أن يستمر نتنياهو في تنفيذ المرحلة الأولى التي يسوقها كإنجاز أولي بمعزل عن بقية بنود الاتفاق المتعلقة بسلاح حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ومستقبلها، كما يقول هلسة.
واعتقد هلسة أن هذا الاتفاق قد يمنح نتنياهو فرصة فكِّ ارتباطه بوزيري المالية والأمن القومي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وربما يذهب لانتخابات مبكرة إذا منحته عودة الأسرى زخما سياسيا.
وعلى المدى البعيد، سيعتبر سموتريتش وبن غفير مواصلة الاتفاق بمرحلتيه تنازلا عن الهدف الأساسي المتمثل في احتلال القطاع وتهجير سكانه، لكن هذا قد لا يؤثر على موقف نتنياهو، الذي يقول هلسة إن من المبكر الحديث عن دفعه لفواتير ما سبق.
فرئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، برأي هلسة، يسوّق للاتفاق على أنه إنجاز لإسرائيل التي يروج لرواية أنها رفضت الاستجابة لكل الضغوط التي مورست عليها خلال عامين، وأنها أصبحت الأقوى بالمنطقة.
لذلك، فإن الأمور لن تتضح إلا بعد الانتهاء من تنفيذ المرحلة الأولى باعتقاد الخبير في الشؤون الإسرائيلية الذي يقول أن ترامب "سيقصم ظهر نتنياهو لو بقي على موقفه".
أما لو تراجع الرئيس الأميركي عن موقفه الحالي، فسيكون بإمكان نتنياهو تحقيق مزيد من المكاسب السياسية وربما يعود للحرب مجددا بشكل أو بآخر، كما يقول هلسة.
ومع هذه الرغبة القديمة لدى ترامب في إنجاز تطبيع واسع في المنطقة، يعتقد هلسة أن نتنياهو قد يمضي أيضا في هذا المسار ويتجنب العودة للحرب إذا شعر بأن "إسرائيل" ستوسع حضورها السياسي بالمنطقة وتكون شُرطيّها في الوقت نفسه.
ولعل هذا ما دفع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، للحديث عن أن هذا الاتفاق قد يفتح بابا جديدا للسلام مع دول مجاورة أخرى، وهو الذي تجاهل هذه الورقة عندما لوح بها جو بايدن كهدية لوقف الحرب، بحسب هلسة.
والليلة الماضية، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عن التوصل إلى اتفاق يقضي بإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزّة وانسحاب الاحتلال منها ودخول المساعدات وتبادل الأسرى.
وقالت حركة حماس: "بعد مفاوضات مسؤولة وجادّة خاضتها الحركة وفصائل المقاومة الفلسطينية حول مقترح الرئيس ترامب في شرم الشيخ، بهدف الوصول إلى وقف حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني، وانسحاب الاحتلال من قطاع غزّة؛ تعلن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التوصّل إلى اتفاق يقضي بإنهاء الحرب على غزّة، وانسحاب الاحتلال منها، ودخول المساعدات، وتبادل الأسرى".
ودعت حركة حماس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدول الضامنة للاتفاق، ومختلف الأطراف العربية والإسلامية والدولية، إلى إلزام حكومة الاحتلال بتنفيذ استحقاقات الاتفاق كاملةً، وعدم السماح لها بالتنصّل أو المماطلة في تطبيق ما تم التوافق عليه.
