في تطور نوعي يعكس تنامي قدرات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، بثت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مشاهد موثقة لكمين مركب نفذته شرق مدينة خان يونس، أسفر عن خسائر مباشرة في صفوف قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأعاد إلى الواجهة جدلية السيطرة الميدانية والتفوق الاستخباراتي في الحرب المستمرة منذ أكثر من 600 يوم.
ويظهر في “الفيديو” لقطات لتكتيك أطلق عليه “عواء الذئب”، حيث جرى استدراج القوات الإسرائيلية إلى نفق مفخخ وتفجيره بمجموعة من الجنود، ثم استهداف قوات الإنقاذ بعبوات ناسفة، بالإضافة إلى تفجير 3 مبانٍ تحصنت بها تلك القوات.
الكمين الذي نُفذ في بلدة القرارة –المعروفة بكونها ساحة توغل إسرائيلية منذ ديسمبر/كانون الأول 2023– اعتبره الخبير العسكري العقيد حاتم كريم الفلاحي "عملية معقدة مخططة بدقة، استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة، وجرى تنفيذها في منطقة تخضع لسيطرة كاملة من قبل قوات الاحتلال".
الكمين.. استخبارات دقيقة وتكتيك غير تقليدي
وفق مشاهد الفيديو، تمكن مقاتلو القسام من استدراج وحدة إسرائيلية إلى فوهة نفق مفخخ، عبر استخدام تكتيك يعرف عسكريا بـ"عواء الذئب" –أسلوب استدراج يعتمد على الحركة أو الصوت أو إطلاق النار الخادع– قبل أن يُفجّر النفق بالقوة المتقدمة، ومن ثم تنفيذ الإطباق من المسافة صفر.
لاحقاً، تم استهداف قوة إنقاذ إسرائيلية جاءت للمكان، بعبوتين مضادتين للأفراد، ثم تفجير ثلاثة مبانٍ كانت تتحصن بها القوات، ما يشير إلى رصد دقيق لحركة الآليات وتوزع القوات، وقدرة واضحة على قراءة النمط القتالي الإسرائيلي واستغلال ثغراته.
تراجع تكتيكي إسرائيلي و"حرب المدن" تحرج جيش الاحتلال
يرى الفلاحي أن عدم ارتداء الجنود لخوذ الحماية والدروع في الموقع، يعكس شعورًا إسرائيليًا بالارتياح الأمني في المنطقة، ما يعني أنها باتت تُعد منطقة "مأمونة ميدانيًا" من وجهة نظر الاحتلال، وهو ما استغلته المقاومة بذكاء عسكري.
وأشار الخبير إلى أن تكرار خسائر الاحتلال رغم مرور أكثر من 600 يوم على الحرب، يكشف فشلًا مستمرًا في التعامل مع بيئة قتالية معقدة، حيث تتقن فصائل المقاومة حروب العصابات والكمائن والتفخيخ، في مقابل قلة خبرة القوات الإسرائيلية في حرب المدن والأنفاق.
"حجارة داود".. دلالة رمزية وتحدٍّ للعمليات الإسرائيلية
وأبرز الفلاحي أن تسمية الكمين بـ"حجارة داود" تحمل دلالة رمزية عكسية، في إشارة إلى سعي فصائل المقاومة لإعادة صياغة الخطاب الرمزي للصراع، بالرد على تسميات إسرائيلية مستندة إلى روايات دينية وتاريخية، عبر إبراز روح المواجهة والثبات.
المرحلة الثالثة من "عربات جدعون": اجتياح تدريجي ومحاولة فصل
في موازاة ذلك، أشار الفلاحي إلى أن المرحلة الثالثة من عملية "عربات جدعون" الإسرائيلية بدأت، وتتضمن قصفًا جويًا مكثفًا، يتبعه توغل بري محدود وعمليات سيطرة تدريجية تهدف إلى فصل المدنيين عن المقاتلين، وهو ما يعكس استراتيجية "القضم التدريجي" التي تحاول إسرائيل تطبيقها ميدانيًا، رغم تعقيد التضاريس واختلاط الجبهات.
الكمين الذي نفذته كتائب القسام يعكس نقلة نوعية في الأداء الميداني للمقاومة الفلسطينية، من حيث الدقة الاستخباراتية والتكتيك الميداني، ويؤشر إلى أن البيئة القتالية في غزة ما زالت تحكمها فصائل المقاومة، رغم كثافة النيران والتقنيات المستخدمة من جيش الاحتلال.
كما يُظهر أن شبكة الأنفاق ما زالت فاعلة وتؤدي دورًا مركزيًا في المعركة، وأن التفوق الجوي أو التكنولوجي الإسرائيلي لم ينجح بعد في شل قدرة الفصائل على التخطيط والتنفيذ والمباغتة.
وفيما يواصل الاحتلال تكرار الأخطاء ذاتها على الأرض، يبدو أن المقاومة تزداد خبرة وجرأة، ما يفتح الباب أمام تحولات ميدانية أوسع في حال استمرت المعركة على هذا النحو.
ومنذ استئناف جيش الاحتلال حرب الإبادة في 18 مارس/ آذار الماضي، نجحت المقاومة في تنفيذ عدة كمائن قوية ضد قوات جيش الاحتلال المتوغلة في قطاع غزة، أدت إلى مقتل وإصابة العديد من الجنود.
ووفقا لمعطيات جيش الاحتلال، فقد قُتل 854 ضابطا وجنديا منذ بداية الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بمن فيهم 413 عسكريا في معارك برية.
وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى إصابة 5846 ضابطا وجنديا منذ بداية الحرب، منهم 2641 عسكريا في معارك برية، وتشمل هذه المعطيات الضباط والجنود القتلى والجرحى في غزة والضفة الغربية ولبنان وإسرائيل، لكنها لا تشمل عناصر الشرطة والمخابرات.
وخلافا للأرقام المعلنة، يُتهم الجيش الإسرائيلي بإخفاء الأرقام الحقيقية لخسائره في الأرواح، خاصة مع تجاهل إعلانات عديدة للمقاومة الفلسطينية بتنفيذ عمليات وكمائن ضد عناصره، تؤكد أنها تسفر عن قتلى وجرحى.
