خاص _ شهاب
في ظل التصعيد المتواصل الذي يشهده قطاع غزة، تواصل فصائل المقاومة الفلسطينية عمليتها العسكرية تحت مسمى "حجارة داوود"، في رد مباشر على العملية "الإسرائيلية" التي أطلق عليها جيش الاحتلال اسم "عربات جدعون"، وتحمل التسمية الفلسطينية بعدًا رمزيًا وتاريخيًا، يعكس روح التحدي والمواجهة، في إشارة إلى القصة التوراتية التي انتصر فيها داوود على جالوت بالحجارة، ما يمثل رسالة رمزية موجهة إلى الاحتلال مفادها أن الإرادة والمقاومة يمكنها كسر التفوق العسكري.
وتأتي هذه العملية في ظل تصاعد التوترات والمواجهات الميدانية، وسط تحذيرات من اتساع رقعة التصعيد في الأيام المقبلة مع استمرار غارات الاحتلال وإخطارات الإخلاء في مناطق واسعة في مختلف مناطق قطاع غزة.
وأشاد الإعلامي والكاتب السياسي يونس أبو جراد باختيار المقاومة الفلسطينية اسم "حجارة داوود" لسلسلة عملياتها الأخيرة، واصفًا التسمية بأنها "حكيمة وذكية" وتحمل أبعادًا دينية ونفسية وتاريخية ذات دلالة عميقة.
وقال أبو جراد في حديث خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، إن التسمية تُحاكي قصة النبي داود عليه السلام في التراث الإسلامي، حين انتصر بمقلاع وحجر صغير على جالوت الجبار، في إشارة رمزية إلى انتصار الضعيف بالحق على القوي بالبطش.
وأضاف أن اختيار الاسم يُعيد صياغة المعادلة الرمزية، حيث طالما احتكر الاحتلال الصهيوني الإرث الديني لشخصية داود، معتبرًا إياه أحد رموز ملوك "إسرائيل" التاريخيين، وبهذا، فإن المقاومة تسحب من الاحتلال هذه الرمزية وتُعيد تقديمها كرمز للمظلوم في وجه الغاصب.
وأكد أبو جراد أن "الحجر" كان وما زال رمزًا مركزيًا في مسيرة النضال الفلسطيني، منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، معتبرًا أن إطلاق اسم "حجارة داوود" يعزز هذه الصورة ويؤكد أن المقاومة تبدأ من أبسط أدواتها، لكنها لا تتوقف عندها.
وأوضح أن الاسم يحمل كذلك بُعدًا دعائيًا وإعلاميًا ذكيًا، إذ يثير اهتمام الإعلام العربي والغربي، بما يجمعه من أبعاد دينية وتاريخية ومفارقة رمزية، كما أنه يحمل تأثيرًا نفسيًا واضحًا على المجتمع الصهيوني، الذي يرى في داوود جزءًا من هويته، ما يجعل من استخدام هذا الاسم في عمليات عسكرية موجعة نوعًا من الحرب النفسية.
واختتم أبو جراد بالقول: "رسالة المقاومة واضحة: هذا داوود، لكنه هذه المرة ليس في صفّكم".
رمزان لصراع على المعنى والذاكرة
من جهته، قال الباحث الجزائري في القانون العام والنظم السياسية المقارنة، خالد الضيف شبلي، إن الصراع الفلسطيني الصهيوني يتجاوز البعد العسكري التقليدي، ليأخذ شكل معركة رمزية على المعنى والذاكرة والشرعية، حيث لا تعود التسمية مجرد وصف، بل تصبح أداة في حرب الروايات.
وفي تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أوضح شبلي أن تسمية الاحتلال الصهيوني لعدوانه الأخير على غزة بـ"عربات جدعون" تُعبّر عن محاولة لأسطرة الفعل العسكري وربطه بتاريخ ديني مقدّس، مستحضرًا شخصية جدعون التوراتية لتبرير العنف كامتداد لإرادة إلهية مزعومة.
في المقابل، اعتبر أن اختيار المقاومة الفلسطينية لمصطلح "حجارة داود" في ردّها يحمل دلالة رمزية عميقة، تعكس تفوقًا أخلاقيًا وسرديًا، وتستدعي قصة داود الذي واجه جالوت بالحجر والإيمان، لتعيد تأكيد شرعية المقاومة في مواجهة آلة قمع مدججة.
وأضاف شبلي: "من لم يكتب رمزه، كُتب عليه أن يُؤوَّل برمز عدوه"، في إشارة إلى أهمية امتلاك السردية الرمزية في مواجهة آلة الإعلام والتبرير التي يوظفها الاحتلال لتسويق روايته في الوعي الغربي والدولي.
ودعا الباحث إلى تعزيز أدوات المواجهة الثقافية والإعلامية، من خلال تفكيك الرموز المستخدمة من قِبل الاحتلال، ودعم الفنون والرواية والمسرح كوسائل مقاومة رمزية، مؤكدًا أن "المعنى حين يُبنى على الحق، يتحوّل إلى مقاومة، إلى حجر يُربك العربة، إلى كلمة تُخيف مدفعًا".
كما شدد على ضرورة تدويل المعركة الرمزية وربط رمزية "الحجر في وجه العربة" بالعدالة الكونية، معتبرًا أن الوعي الثقافي هو جبهة نضال لا تقل أهمية عن ميادين المواجهة.
واختتم بالقول إن الحرب الحديثة تُخاض أيضًا بلغة الرموز والمعاني، وإن "حجارة داوود" ليست فقط سلاحًا للفقراء، بل سردية شعب يقاوم كي يبقى.
وتُجسّد معركة "حجارة داوود" في مواجهة "عربات جدعون" بعدًا عميقًا يتجاوز السلاح والرصاص، إلى صراع في الوعي والرمزية الدينية التي توظفها كل من المقاومة والاحتلال.
وبينما تستند المقاومة إلى رموز توراتية لإعادة توجيهها في سياق تحرري معاصر، يوظف الاحتلال نفس الرموز لترسيخ سرديته الاستعمارية، وهكذا، تتحول أرض المعركة إلى ساحة مزدوجة: ميدانية وعقائدية.
