تقرير - شهاب
على الطرقات الممتدة بالمغرب العربي، تدفقت قوافل الأحرار، محمّلة بالغذاء والدواء والوفاء، تحمل معها أملاً ضائعاً منذ ما يقارب 20 شهرًا في غزة المحاصرة والمجوعة على مرأى ومسمع العالم بمؤسساته ومنظماته وحكوماته وشعوبه.
وتحت اسم "قافلة الصمود"، من المغرب إلى الجزائر، ومن تونس إلى ليبيا، خرج الآلاف من المتضامنين في قوافل شعبية عفوية، تقودها نقابات مهنية وجمعيات مدنية ومستقلون، في مشهد لافتٍ للاحتفاء الشعبي والدعم العابر للحدود.
ورغم تعقيدات الوصول، ومحدودية الأثر المادي للمساعدات أمام حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة، إلا أن الزخم الشعبي الذي رافق القوافل منحها بُعداً رمزياً وسياسياً أكبر بكثير من شاحنات الإغاثة، وفي كل محطة، كان الناس يلوّحون، يزغردون، ويذرفون الدموع.
ومن العاصمة التونسية إلى الدار البيضاء فالجزائر وطرابلس، خرج الناس في تظاهرات دعم واستقبال وتوديع للقوافل، في مشهد أعاد طرح السؤال الجوهري الذي لازم الحرب على غزة منذ بداياتها: هل الشعوب حقاً صامتة؟ أم أن أصواتها مخنوقة بين قبضة الأنظمة وتواطؤ النخب؟.
وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها في السياق العربي بعد العدوان المستمر على القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، تعكس تحوّلًا شعبيًا عميقًا في موقف الشارع التونسي والعربي من قضية فلسطين.
"صوت الشعوب أقوى من قيود الأنظمة"
الصور والمشاهد التي وثقتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل حملت رسالة واضحة أن الشعوب لم تخن، ولم تتعب، ولم تتراجع، وإنما اختُطفت إرادتها، وقُمعت أصواتها، وعُطّلت أدوات فعلها، فخرجت القوافل من تحت رماد القمع، لتثبت أن النبض لم يمت، بل حُوصِر.
في مقابل هذا الزخم الشعبي، بدا الصمت الرسمي العربي لافتاً، حيث لم يصدر عن كثير من الحكومات أي تعليق يُذكر على هذه القوافل، ولا أي إجراءات لتسهيل وصولها أو تأمين خط سيرها، بل وواجهت بعض القوافل عراقيل لوجستية وبيروقراطية في طريقها إلى معبر رفح.
ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين موقف الشعوب وأنظمتها يكشف أحد أبرز وجوه الأزمة السياسية في العالم العربي، حيث تبتعد الدولة عن التعبير عن ضمير شعبها، وتختبئ خلف مصالحها الإقليمية والدولية، ولو على حساب أطفال جائعين في غزة.
وبحسب محللون، فإن القوافل لم تكن فقط رسالة إنسانية إلى غزة، بل كانت أيضاً رسالة سياسية إلى كل من راهن على خفوت القضية في وعي الشعوب، وقد وجدت هذه الرسالة صداها في الداخل الفلسطيني، حيث استقبل الأهالي هذه المبادرات بشعارات الوفاء للشعوب التي لم تنسَ، ولم تخن، ولم تصمت.
ووفق متابعون، فإن المشهد الذي رافق قوافل الأحرار كان أكبر من لحظة إغاثة، كان لحظة صحوة، لحظة تجلّت فيها الحقيقة التي حاول كثيرون طمسها بأنها ليست المشكلة في الشعوب، بل في من صادر صوتها، وخوّن حركتها، واختطف تمثيلها.
"شرارة كسر الصمت العربي"
رئيس التحالف التونسي لدعم الحق الفلسطيني، الصادق عمار، قال إن القافلة "وليدة أشهر من المسيرات والوقفات الشعبية التي انخرطت فيها كل التيارات السياسية والدينية والمجتمعية في تونس"، مضيفًا أن "هذه ليست مجرد قافلة مساعدات، بل فعل مقاومة رمزي ورسالة سياسية للأنظمة والشعوب على حد سواء".
وأضاف عمار، في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أن القافلة تشكّلت من أكثر من 1500 مشارك تونسي من مختلف الولايات، تقدموا نحو الأراضي الليبية مشيًا على الأقدام، عبر الحافلات والسيارات، فيما انضم إليهم ما لا يقل عن 200 متضامن جزائري، على أن تكتمل القافلة داخل ليبيا بمشاركة ليبية واسعة، قبل التوجه إلى معبر السلوم المصري ثم نحو رفح البري باتجاه غزة.
وتضم القافلة أيضًا شخصيات بارزة من المجتمع المدني، أطباء، رجال دين، حقوقيين، ونشطاء مناهضين للتطبيع، إلى جانب متطوعين من فرق الدفاع المدني يسعون للدخول إلى القطاع ومساعدة المنظومة الصحية والإنسانية المنهكة تحت النار والحصار.
ورغم التكتم المصري، وغياب أي تأكيد رسمي بشأن السماح بمرور القافلة من معبر السلوم إلى رفح، أشار عمار إلى وجود "تحركات سياسية مكثفة وضغوط شعبية عربية" لتمرير القافلة، مشددًا على أن "القافلة لن تعود أدراجها حتى تُفتح الطريق إلى غزة".
ولم يستبعد عمار إمكانية استهداف القافلة أو تعرضها للاعتداء أو التضييق الأمني، لكنه قال إن "كل المشاركين واعون بهذه المخاطر، ومستعدون لدفع الثمن، تمامًا كما يدفعه أطفال غزة كل يوم".
وتابع: "إن أعادوها، فسنعود بقافلة أكبر. هذه بداية، وليست نهاية. اليوم نكسر الصمت، وغدًا نكسر الحصار"، مردفًا أن "غزة أعادت تعريف الشرف العربي، وهي البوصلة الوحيدة التي يجب أن يتبعها كل من بقي له قلب".
وشدد عمار بالقول: "رسالتنا لكل الشعوب العربية، هذه فرصة لتحرير كل الشعوب العربية، لتكن غزة هي بوصلتنا، لنتحرك، لنتضامن، لنسلك كلّ سبيلًا يدلنا على نصرة قضية الشرفاء، فكما تغيّر الموقف الأوروبي في الآونة الأخيرة، علينا أن نضاعف إذن خطواتنا وتضامنا، ولتكن غزَّة هي البوصلة لنا جميعًا".
"الآلاف سينضمون إلى القافلة"
ومن جهته، قال منسق قافلة "الصمود" لكسر الحصار على غزة مروان بن قطاية، إن وفوداً مغاربية ستنضم للقافلة التي تسير نحو الحدود الليبية المصرية اليوم الأربعاء، لعبور الأراضي المصرية ومنها إلى قطاع غزة.
وأضاف بن قطاية، في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، "إن القافلة تكمل سيرها نحو الحدود الليبية المصرية، وستنضم الوفود القادمة من مختلف الأوطان المغاربية للقافلة، حيث سيلتحق الوفد الموريتاني، ويحشد الليبيون الجماهير للالتحاق".
وأضاف "الآلاف من الشعوب المغاربية ستلتقي عند الحدود الليبية المصرية من أجل الدخول لمصر، وتعبر من معبر رفح نحو الأحرار في غزة لهدف واحد ليس فيه عداء لأحد وإنما لكسر الحصار".
ونبّه بن قطاية إلى أن غاية القافلة هي كسر الحصار عن أهالي غزة الذين يموتون جوعا وعطشا ويبادون لأكثر من 20 شهراً، "حيث تتحرك الشعوب في زمن ساد فيه الصمت والخذلان، لتساهم وتقوم كلمتها، كفي لهذا الحصار على غزة، وكفى للعدوان، وعلى الحرب ان تتوقف وأن تدخل المساعدات".
كما قال زياد العالول، عضو التحالف الدولي ضد الاحتلال وعضو اللجنة الدولية لكسر الحصار عن قطاع غزة، إن الهدف الأساسي من هذه الحملات هو تسليط الضوء على الجانب الإنساني لمعاناة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وخاصة في ظل ما وصفه بـ"الإبادة الجماعية، والقتل، والنزوح، والتجويع"، مؤكداً أن هذه الحملات تحاول "تعري الاحتلال أمام المجتمع الدولي، ووضع حد لاستخدام الجوع والحصار كوسيلة سياسية للضغط على الشعب الفلسطيني".
وأضاف العالول، في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أنه "سواء وصلت هذه الحملات إلى قطاع غزة أم لم تصل، فإن صوتها سيصل إلى العالم.
وأكد أن عدد المسجلين في المسيرة يقدر بآلاف، متوقعاً مشاركة لا تقل عن ثلاثة آلاف شخص من مختلف دول العالم، مشيراً إلى أن الحملة تضم مشاركين سياسيين وإعلاميين وصحفيين ونقابيين وفنانين ومؤثرين، ويمثلون جميع شرائح المجتمع.
