تعوّل إسرائيل كثيرا على دخول الولايات المتحدة الأميركية في الحرب التي تشنها على إيران، لأنها عاجزة عن استهداف منشأة فوردو الواقعة جنوب طهران والشديدة التحصين.
ونقل موقع أكسيوس عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية يعتقدان أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يدخل الحرب قريبا لقصف منشأة فوردو.
وتوضح التقارير أن منشأة فوردو هي الأكثر تحصينا من بين المنشآت النووية الإيرانية، وتوجد بها أجهزة التخصيب وأجهزة الطرد المركزي، وقد بنيت تحت الجبال، مما يصعّب استهدافها بالقنابل التقليدية، بل يلزم استخدام قنابل تستطيع اختراق الأعماق، ولذلك يكثر الحديث الآن عن استخدام القنبلة "جي بي يو 57" التي لا تمتلكها سوى الولايات المتحدة الأميركية.
وكانت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أوردت تقريرا عن منشأة فوردو، قالت فيه إن المنشأة مخبأة تحت صخور صلبة ومغطاة بخرسانة مسلحة تجعلها بعيدة عن مرمى نيران أي من الأسلحة الإسرائيلية المعروفة للعامة.
وفي شرحه لأهمية منشأة فوردو، يقول محمود الكن إن طائرة "بي ـ 52" الأميركية، وهي قاذفة إستراتيجية كبيرة قادرة على حمل الذخائر والتوجيه من الجو إلى الأرض، تحمل أشكالا مختلفة من القنابل واستطاعت سابقا حمل "جي بي يو 57" لأغراض التجارب، لكنها ليست مؤهلة للقيام بالعمليات التشغيلية لقذيفة "جي بي يو 57".
كما أن "بي ـ 52″، وهي طائرة شبحية، ليست قادرة على فرض التفوق الجوي وعلى المناورة والتخفي من الرادارات، ولذلك هي بحاجة لوجود طائرات أخرى للحماية، ويؤكد الكن أن هذه الطائرات دائما ما ترافقها طائرات "إف 15" لتأمين التفوق الجوي.
منشأة فوردو الإيرانية لتخصيب اليورانيوم تُعد ثاني أبرز موقع نووي في البلاد، وتكمن أهميتها الاستراتيجية في قدرتها على إنتاج يورانيوم عالي التخصيب بنسبة تقترب من 90%، وهي النسبة اللازمة لصناعة الأسلحة النووية. تم تشييد المنشأة على بُعد 95 كيلومتراً جنوب غرب طهران، داخل أنفاق جبلية بعمق نصف ميل في منطقة قُم، مما يجعلها عصيّة على الاستهداف التقليدي.
المنشأة تمثل تحدياً أمنياً لإسرائيل، التي شنّت في يونيو/حزيران 2025 هجمات جوية على عدة منشآت نووية وعسكرية إيرانية، شملت فوردو، بهدف تقويض القدرة النووية الإيرانية.
التحصين والتقنية:
أنشئت فوردو داخل قاعدة عسكرية تابعة للحرس الثوري، وتحظى بحماية من أنظمة دفاع جوي متطورة. وهي مصممة لاستيعاب 16 سلسلة من أجهزة الطرد المركزي الغازي (IR-1) موزعة على قاعتين، بإجمالي نحو 3000 جهاز.
البدايات والتطور:
تشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن البناء بدأ ما بين 2002 و2004، رغم أن إيران أعلنت رسمياً عن المنشأة فقط في 2009، بعد كشف أميركي-فرنسي-بريطاني مشترك. اتُّهمت المنشأة بأنها لا تتوافق مع الأغراض السلمية للطاقة النووية بسبب موقعها المحصّن ومحدودية طاقتها الإنتاجية.
التشغيل والتخصيب:
بدأ تشغيل المنشأة في ديسمبر/كانون الأول 2011. في البداية، اقتصرت على تخصيب اليورانيوم بنسبة 5%، ثم ارتفع إلى 20% في 2011، وواصلت إيران تطوير قدراتها حتى وصلت في 2022 إلى تخصيب بنسبة 60% باستخدام أجهزة طرد متطورة من طراز IR-6، وهو ما يقل فقط بخطوة عن مستوى 90% اللازم لصناعة السلاح.
بحسب تقرير ديسمبر/كانون الأول 2024 للوكالة الذرية، أصبحت فوردو تنتج أكثر من 34 كغم شهرياً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، أي نحو 6 أضعاف المعدلات السابقة. كما أنشأت إيران نظام تخصيب من ثلاث مراحل يتيح التحول السريع إلى تخصيب بنسبة 90%.
الاتفاقات النووية والانسحاب الأميركي:
في 2013، وقعت إيران اتفاقاً مؤقتاً مع الدول الست (5+1) للحد من التخصيب في فوردو. وفي 2015، تم توقيع الاتفاق النووي الشامل (JCPOA)، الذي نصّ على تقليص عدد أجهزة الطرد إلى 1044 جهازاً، واستخدام 348 منها فقط في إنتاج النظائر المستقرة، وتحويل المنشأة إلى مركز أبحاث.
لكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في مايو/أيار 2018، بدأت إيران بالتراجع التدريجي عن التزاماتها، وعاودت تخصيب اليورانيوم في فوردو اعتباراً من نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
التصعيد والتوتر:
في 2022، أزالت إيران أجهزة المراقبة من المنشأة وبدأت بتخصيب بنسبة 60%، كما اكتشفت الوكالة الذرية في 2023 وجود جزيئات مخصبة بنسبة 83.7%، مما أثار قلقاً كبيراً.
في سبتمبر/أيلول 2023، منعت إيران ثلث مفتشي الوكالة من الوصول إلى منشآتها. وردت الوكالة في يونيو/حزيران 2024 بقرار يدعو إيران للتعاون والسماح للمفتشين بالعودة. ورداً على ذلك، أعلنت طهران نيتها تركيب 8 سلاسل جديدة من أجهزة IR-6.
الردود والعقوبات:
فرضت الولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2024 عقوبات إضافية على صادرات النفط الإيراني. وفي ديسمبر/كانون الأول، أعلنت الوكالة أن إيران أجرت تعديلات تسمح بتخصيب شبه مستمر لليورانيوم بنسبة 60%.
و تحولت منشأة فوردو من موقع سري إلى رمز للتحدي النووي الإيراني، وهي اليوم في قلب صراع معقد بين طهران والغرب. بقدراتها التقنية وتحصينها العسكري، تبقى هذه المنشأة عامل ضغط إيراني حاسم في أي مفاوضات مستقبلية، وسط مخاوف من تحولها إلى بوابة تصنيع أول سلاح نووي إيراني.
