الجزائر – شهاب
قال المختص في الشؤون الأمنية والعسكرية، الدكتور أحمد ميزاب، ان عملية بيت حانون الأخيرة تشكّل تحولًا نوعيًا في قواعد الاشتباك بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا من حيث طبيعة التنفيذ، و توقيته، ومكانه، والدلالات العسكرية المرتبطة به.
وأضاف ميزاب في تصريح لوكالة شهاب للأنباء، إن العملية نُفذت في أقصى شمال قطاع غزة، داخل منطقة مصنفة أمنيًا بأنها "ميتة ميدانيًا"، نظراً إلى التدمير الإسرائيلي الواسع فيها والمراقبة الجوية والاستخباراتية المشددة، إلا أن المقاومة استطاعت التحرك في بيئة مكشوفة، وفي ساعة متأخرة من الليل، ما يعكس درجة عالية من التخطيط والدقة.
كمين مركب في منطقة منزوعة الغطاء
استهدفت العملية قوة إسرائيلية متقدمة، تلتها ضربة ثانية مباشرة لقوة إنقاذ وصلت إلى الموقع ذاته، في سيناريو وصفه ميزاب بأنه "كمين مركب ومتسلسل"، يكشف عن تطور تكتيكي ملحوظ لدى المقاومة. ونُفذت العملية في منطقة مدمّرة بالكامل، تفتقر لأي غطاء عمراني أو مدني تقليدي، وهو ما يُبرز قدرة المقاومة على استخدام الركام والتضاريس المدمّرة كبيئة عملياتية فعالة.
وأشار ميزاب إلى أن العملية تحمل عدة دلالات عسكرية وأمنية، من أبرزها:
- احتفاظ المقاومة بمرونة ميدانية عالية رغم التدمير والضغط.
- امتلاك معلومات استخباراتية دقيقة ومحلية عن تحركات العدو.
- تنفيذ الضربات في توقيت محسوب، مع استغلال عنصر المباغتة.
- كشف محدودية السيطرة الميدانية الإسرائيلية فوق الأرض وفي عمق الأنفاق.
ركام يُخفي المفاجآت
وتُعتبر بيت حانون واحدة من أكثر مناطق التماس حساسية، حيث تقع بمحاذاة السياج الحدودي وتخضع لتغطية جوية وأرضية كثيفة، إلا أن المقاومة، بحسب ميزاب، نجحت في زرع عبوات ناسفة وتفجيرها عن بعد، ما يدل على جاهزية لوجستية واستخباراتية، وقدرة على التنقل والتخفي ليلًا دون رصد.
وبهذا، لا تمثل العملية مجرد ضربة ميدانية، بل نموذجًا عمليًا على فشل استراتيجية الاحتلال في فرض السيطرة الكاملة، ونجاح المقاومة في استثمار البيئة حتى في أسوأ حالاتها.
واعتبر أن استخدام عبوات ناسفة في تفجير مزدوج، واستهداف وحدة الإنقاذ التالية، يُعدّ مثالًا على "كمين ذكي"، يجمع بين التخطيط المسبق، والتنسيق بين وحدات الرماية والتفجير، واستخدام وسائل اتصال محمية ضد التشويش.
وتابع ميزاب "العملية اعتمدت على تفجير متتالٍ لعبوات ناسفة، وهو ما يدل على نصب كمين مسبق، وتحديد دقيق لمسار التحرك المتوقع للقوة المستهدفة، اللافت هو استهداف قوة الإنقاذ التي جاءت بعد الضربة الأولى، ما يكشف عن نضج تكتيكي في تصميم كمين يهدف إلى إيقاع خسائر مضاعفة. فتح النار بعد التفجير مباشرة يؤكد وجود وحدة رماية كانت في وضعية تغطية وانتظار، وهو ما يعكس تنسيقا دقيقا بين عناصر مختلفة في ميدان ضيق ومعقّد".
فشل استخباري وتكتيكي
العملية، وفق ميزاب، كشفت ثغرات واضحة في الأداء الميداني الإسرائيلي، منها:
- فشل في التنبؤ بوجود مقاومة نشطة في منطقة مفترضة كمفرغة من التهديدات.
- غياب التحصين والتأمين حول مسار القوات.
- ارتباك تكتيكي أدى إلى سقوط قوة الإنقاذ في الكمين ذاته.
- ضعف في التنسيق بين وحدات الاقتحام والإسناد.
حرب استنزاف مفتوحة بلا أفق سياسي
ويؤكد ميزاب أن العملية تمثّل نموذجًا لحرب استنزاف ذكية تخوضها المقاومة ضد جيش نظامي يعتمد على التفوق الناري والتكنولوجي، لكنه عاجز عن فرض الحسم في بيئة عدائية وشديدة التعقيد.
وأوضح أن "الاحتلال يتكبد يوميًا خسائر موزعة على عمليات صغيرة لكنها موجعة، ما يربك القيادة الميدانية ويستنزف الجهد اللوجستي والأمني بشكل متواصل"، معتبرًا أن اللجوء إلى التدمير الشامل لم ينجح في اجتثاث المقاومة، التي تتحرك تحت الأرض، وتضرب في التوقيت والمكان الذي تختاره.
وأكد ميزاب أن استمرار هذا النوع من الاستنزاف يؤثر بعمق على صورة جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويضرب مصداقيته داخليا وخارجيا، كما يفاقم الضغط على الجبهة الداخلية التي تواجه تداعيات نفسية، واجتماعية، وسياسية متراكمة.
وقال "المعادلة واضحة، ما بدأ كعملية “حاسمة” تحول الآن إلى نزيف يومي مفتوح، بلا سقف زمني، وبلا أفق سياسي يقدّم للداخل الإسرائيلي مخرجًا حقيقيًا من المأزق."
انكشاف السردية الإسرائيلية
وشدد ميزاب على أن استمرار هذه العمليات يقوّض السردية الإسرائيلية التي تزعم تفكيك قدرات المقاومة، ويعيد طرح أسئلة حقيقية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حول جدوى العمليات البرية ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة.
واعتبر أن الاحتلال يعتمد على استخدام نار كثيفة وتدمير شامل لتقليص خسائره البشرية، لكن هذه المقاربة لم تنجح في اجتثاث المقاومة أو وقف عملياتها، فالمقاومون يتحركون تحت الأرض، وضمن بيئة يعرفونها بدقة، ويضربون في الزمان والمكان الذي يحددونه.
وقال: "طالما أن المقاومة قادرة على تنفيذ كمائن مركبة، واستهداف وحدات متقدمة قرب الحدود، فإن الحديث عن نهاية التهديد يبقى بلا مضمون فعلي".
