تقرير – شهاب
بينما تتسارع وتيرة الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ومع تزايد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من 20 شهرًا، شهدت المفاوضات غير المباشرة بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، بوساطة قطرية ومصرية، تطورات لافتة خلال الأيام الأخيرة.
فبعد موجة من التسريبات الإعلامية السلبية، وتصريحات أميركية متشددة تتهم حركة حماس بتعطيل المسار التفاوضي، جاء بيان رسمي مشترك من الدوحة والقاهرة ليؤكد أن المفاوضات شهدت تقدمًا فعليًا، وأن الأطراف الوسطاء تلقّوا ردًا فلسطينيًا "جادًا وبناءً".
إلا أن هذا التقدم المفاجئ لم يدم طويلًا؛ إذ انقلب الاحتلال الإسرائيلي على أجواء التفاؤل وسحبت وفدها المفاوض، وسط تصعيد ميداني وأزمة إنسانية خانقة في القطاع، ما يثير التساؤلات حول أسباب هذا التحوّل المفاجئ، وما إذا كان الاحتلال الإسرائيلي يسعى بالفعل لاتفاق يوقف الحرب، أم أنها توظف التفاوض كأداة لفرض خرائط تهجير قسري تحت غطاء إنساني.
في هذا السياق، قدم الباحث والمحلل السياسي الفلسطيني أحمد الحيلة قراءة تحليلية معمّقة تكشف تفاصيل ما دار خلف الكواليس، وتفسّر أسباب الانقلاب الإسرائيلي على المسار التفاوضي، رغم الجهود الإقليمية والدولية.
كواليس التفاوض
وكشف الحيلة أن المفاوضات غير المباشرة بين الفصائل الفلسطينية و"إسرائيل"، والتي تجري بوساطة قطرية ومصرية، شهدت تقدمًا ملموسًا، قبل أن تتراجع "إسرائيل" عن هذا المسار بشكل مفاجئ بسبب رفض حركة حماس لمطالب تتعلق بإعادة انتشار جيش الاحتلال داخل غزة على نحو يسمح بتهجير واسع النطاق للسكان.
وقال الحيلة إن بيانًا مشتركًا صادرًا عن وزارتي الخارجية القطرية والمصرية في 25 يوليو/تموز أكد أن المفاوضات شهدت تقدمًا حقيقيًا، وأن مغادرة الوفود كانت للتشاور، بينما "التسريبات الإعلامية" التي تحدثت عن تعثر أو جمود "لا تعكس واقع المفاوضات"، بل تهدف للتأثير عليها سلبًا.
وأشار الحيلة إلى تصريحات رجل الأعمال الأميركي من أصل فلسطيني بشارة بحبح، الذي يعمل إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، والتي أكد فيها أن رد حماس كان إيجابيًا وبنّاءً، مشيرًا إلى أن موقف الحركة لم يكن متصلّبًا، وأنها أبدت مرونة تجاه صيغة الاتفاق، باستثناء بعض التحفظات المتعلقة بوجود قوات الاحتلال داخل المناطق السكنية في غزة.
وأضاف بحبح أن الوسطاء القطريين والمصريين نقلوا هذا الرد إلى الجانب الإسرائيلي، الذي أبدى "إيجابية حذرة" في البداية، قبل أن يتراجع فجأة، دون تقديم مبررات موضوعية.
وبحسب الحيلة، فإن ما طرحته حركة حماس من خرائط للانسحاب كان يحظى بقبول من الوسيطين، إذ تضمن تقليص حجم المناطق العازلة وتفادي تواجد الاحتلال في المناطق المكتظة بالسكان، ما كان من شأنه تمكين مئات الآلاف من النازحين من العودة إلى منازلهم.
أسباب الانقلاب الإسرائيلي
يُرجع الحيلة "الانقلاب الإسرائيلي" إلى جملة من العوامل، أبرزها فشل "إسرائيل" في فرض خرائط الانسحاب التي تسعى من خلالها إلى الاحتفاظ بمساحات واسعة داخل قطاع غزة، بهدف إقامة ما تسميه "مدنًا إنسانية"، يرى فيها الفلسطينيون والمراقبون معسكرات تهجير قسري، خاصة في مدينة رفح جنوب القطاع، بحسب تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي "يسرائيل كاتس".
وأوضح أن الموقف الأميركي، عبر تصريحات الرئيس دونالد ترامب والمبعوث ويتكوف، بدا أكثر تطرفًا من الموقف الإسرائيلي نفسه، ما يثبت أن الولايات المتحدة لا تقوم بدور الوسيط النزيه، بل تقف إلى جانب الاحتلال بكل أدواته التفاوضية والعسكرية.
وبحسب الكاتب، فإن التناقض في السردية الأميركية الإسرائيلية السلبية من جهة، مع السردية القطرية المصرية الفلسطينية الإيجابية من جهة أخرى، يشير إلى عدة أمور منها:
أولًا: نجاح حركة حماس في إعادة رسم خرائط الانسحاب لجيش الاحتلال الإسرائيلي (تموضع مؤقّت داخل قطاع غزة)، بتوافق فلسطيني وقبول مصري وقطري كوسطاء، وبدعم من بعض دول الإقليم، ما يحسب للحركة ولحسن إدارتها المفاوضات.
ثانيًا: الخرائط التي قدّمتها حماس والتي حازت قبول الوسطاء، وهي خرائط لا تسمح باستمرار النزوح لمئات آلاف المدنيين، ولا تسمح للاحتلال باقتطاع مناطق واسعة لإقامة معسكرات اعتقال ضخمة تسمّى "مدنًا إنسانية" للتهجير، كانت سببًا كافيًا لاستفزاز الإسرائيليين الذين يريدون فرض رؤيتهم وخرائطهم بالقوّة.
ثالثًا: الموقف الإسرائيلي السلبي المدعوم أميركيًا، يمكن أن يحمل في حد ذاته مناورة تفاوضية، لشراء الوقت وممارسة أقسى درجات الضغط على حماس عبر القصف والتجويع الذي بلغ حدًا كارثيًا، لتَقْبَل حماس بالشروط الإسرائيلية، التي تعني وفقًا لخرائط الانسحاب الإسرائيلية، احتفاظ إسرائيل بمناطق سكنية متعدّدة ومساحات واسعة، تُفضي لاستمرار نزوح مئات آلاف الفلسطينيين داخل قطاع غزة (700 ألف فلسطيني).
رابعًا: إذا لم تُفلح المناورة والضغوط الإسرائيلية، ولم تنجح "إسرائيل" في رسم اتفاق، بقبول فلسطيني يسمح لها بتهجيرهم تدريجيًا عبر سيطرتها على مساحات واسعة من القطاع والتحكّم في المساعدات، فهذا سيضع "إسرائيل" أمام احتمالين: القبول باتفاق وقف إطلاق نار، وفقًا لخرائط لا تسمح باستدامة نزوح الفلسطينيين داخل القطاع أو تهجيرهم خارجه، مع دخول المساعدات بإشراف الأمم المتحدة، ما يعدّ مقدّمة لانتهاء العدوان على غزة.
وقال الحيلة، إن استمرار تعنّت "إسرائيل" وتمسّكها بشروطها وبخرائطها لإعادة انتشار جيشها في مناطق واسعة من القطاع، بهدف تهجير الفلسطينيين، سيعقّد المشهد إنسانيًا وميدانيًا، ويُفضي لتوقّف المفاوضات، ويُبقي المشهد الحالي معلّقًا باستمرار الحرب والكارثة الإنسانية في غزة.
وأضاف أن العامل المشترك أو الخيط الرفيع الذي يربط بين مخططات "إسرائيل" العسكرية في غزة، وحراكها التفاوضي في الدوحة طوال عامين ماضيين؛ هو محاولة كسر إرادة الفلسطينيين وهزيمتهم نفسيًا لقبولهم بسيناريو التهجير عبر المفاوضات، أو بالقوة العسكرية المباشرة.
وأشار إلى أن "إسرائيل" فشلت في تحقيق ذلك، يفسّر سبب انقلابها وبدعم أميركي على بيئة المفاوضات الإيجابية التي تحدّث عنها بيان وزارة الخارجية القطرية، وما تحدّث عنه بشارة بحبح المقرّب من ستيف ويتكوف، وما تحدّثت عنه أيضًا حركة حماس.
وأوضح الحيلة أن "إسرائيل" عودّتنا كلما أرادت أن تهرب من استحقاقات العملية التفاوضية، قامت بحملة إعلامية ضخمة وبدعم أميركي مباشر، بتحميل حركة حماس مسؤولية الفشل أو عدم نجاح المفاوضات، وبضخ معلومات كاذبة ومشوّهة على لسان مصادر مطّلعة وعلى لسان مسؤولين لا يتورّعون عن الكذب.
المأزق الإسرائيلي
وأشار الكاتب إلى أن "إسرائيل" اعتادت خوض المفاوضات بهدف فرض شروطها بالقوة، مدعومة بالموقف الأميركي، لكنها تجد نفسها هذه المرة أمام مقاومة سياسية وشعبية فلسطينية ترفض سيناريو التهجير، رغم المجازر والتجويع والتدمير واسع النطاق.
وأكد أن فشل "إسرائيل" في تحقيق أهدافها العسكرية أو السياسية منذ بدء الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وضعها في مأزق حقيقي، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة العام المقبل، والتي يعوّل عليها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لإنقاذ مستقبله السياسي.
ويرى الحيلة أن استمرار الحرب دون مبرر تفاوضي سيزيد من تدهور صورة "إسرائيل" عالميًا، بعد أن فقدت سردية "الضحية"، وباتت تُتهم على نطاق واسع بارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي ضد الفلسطينيين في غزة، مشيرًا إلى أن فقدان الشرعية الأخلاقية والدولية يمثل بداية الانهيار لأي مشروع سياسي.
وختم الحيلة تحليله بالقول إن الشعب الفلسطيني، برغم المجازر والجوع، ما زال يتمسّك بالحياة والعودة، ويرفض الاستسلام أو التهجير، مضيفًا أن "رغم القتل والتجويع... لا نكبة بعد النكبة".
