لم يكن محمد قريقع مجرّد مراسل يحمل الكاميرا، كان ابنًا يختبئ قلبه خلف عدسته. في كل خبر ينقله، كان يخفي وجعًا أكبر… وجع فراق أمه التي كانت كل عالمه
في فجر الحرب، حين اشتعلت الشجاعية بنيران القصف، كان قلب محمد قريقع يخفق خوفًا على أمه المريضة بالسكري أكثر مما يخفق على نفسه.
وسط زحام النزوح الكبير، افترق عنها، وبقي وحيدها، يتنقل بين الحشود المذعورة، يحمل في يده الكاميرا، وفي قلبه رجاء واحد: أن يراها مجددًا.
أيامٌ من البحث المحموم، بين مدارس الإيواء وأروقة المستشفيات، يسأل العابرين والجرحى، يتشبث بأي خبر، يركض خلف أي خيط أمل، وكأن قلبه يركض قبله.
حتى وصل إلى مجمع الشفاء الطبي، وهناك توقف الزمن… وجدها مسجّاة، شهيدة، وقد غابت ابتسامتها التي كانت تضيء عالمه الصغير.
احتضن وجع الفقد بصمت، وحمل كاميرته ليواصل عمله، وكأنه يقاتل ليبقى صوت الحقيقة حيًّا، وفاءً لروحها.
لكن الحرب التي خطفتها منه، عادت لتخطفه هو أيضًا، فسقط شهيدًا، وذهب ليلتحق بها… هناك، حيث لا نزوح ولا فراق.
لم يستطع محمد أن يعيش بلا أمه… فارق الدنيا ملبّيًا نداءها، ليلقاها عند الحوض في جنات ونهر.
عرفه الجميع شهمًا شجاعًا، وكان ميدان غزة بأكمله حاضرًا على شاشات الجزيرة بعدسته وكلماته.
لبّى نداء غزة، وحمل همّها إلى العالم برفقة رفيق دربه أنس الشريف، فكانا معًا صوت غزة، ومنبرًا للمكلومين، وشاهدًا على جوع المحاصرين تحت الإبادة.
يوم أن بكى أنس، علم العالم أن غزة جائعة… ويوم ارتقيا معًا، أدركنا أن الحقيقة تدفع دمها ثمنًا.
وداعًا شهداء الحقيقة، وداعًا صوت غزة… فقد آن لهذه الأجساد أن ترتاح، لكن تغطيتهم ستظل مستمرة، ما دام في غزة نبضٌ يحكي الحكاية.
#غزة
شادي أبو صبحة
