حي الزيتون تحت النار.. إبادة جماعية وتهجير قسري في أوسع تصعيد إسرائيلي على مدينة غزة

دمار واسع في قطاع غزة - أرشيفية -

تقرير – شهاب

يشهد حي الزيتون، أكبر أحياء مدينة غزة وأكثرها كثافة سكانية، تصعيدًا غير مسبوق في القصف والنسف والتدمير الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة، ما أدى إلى تدمير واسع في المنازل والبنية التحتية، وارتقاء عشرات الشهداء، بينهم أطفال ونساء، وسط عجز شبه كامل لفرق الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إلى المناطق المستهدفة.

ومنذ أكثر من أسبوع، كثفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي غاراتها على الحي بالتزامن مع قصف مدفعي عنيف، أسفر عن تدمير أكثر من 400 منزل خلال ثلاثة أيام، كما انهارت العديد من المنازل فوق ساكنيها، فيما لا تزال عائلات عالقة تحت الأنقاض في ظل غياب المعدات اللازمة لعمليات الإنقاذ.

وقال شهود عيان إن أصوات الانفجارات لم تتوقف على مدار ساعات النهار والليل، وأن السكان اضطروا للنزوح بشكل جماعي نحو مناطق أقل تضررًا، رغم أن "لا مكان آمن في غزة"، وفق تعبير أحد الناجين.

ترافق هذا التصعيد مع تصريحات إسرائيلية تتحدث عن "إعادة السيطرة الكاملة على قطاع غزة"، في إشارة إلى نوايا لإعادة احتلاله، ووفق مصادر إسرائيلية، فإن "الفرقة 99" بدأت بالفعل في التوغل داخل أطراف حي الزيتون، وسط تقديرات بأن الحي يمثل بوابة استراتيجية لعمليات التوسع داخل مدينة غزة.

 

خرجنا من الموت

المواطنة أم رائد (45 عامًا): قالت: "خرجنا قبل الفجر نركض مع الأطفال ونحن لا نحمل شيئًا، الرصاص فوق رؤوسنا والقصف يهز الأرض، تركنا بقايا البيت وكل ما نملك".

أما محمد (33 عامًا) فأفاد أنه اضطر للنزوح مع أسرته بعد قدوم طائرة "كواد كابتر" وإطلاقها النار عشوائيًا.

وقال: "لم أستطع حتى أخذ شهادات ميلاد أطفالي، الطائرات فوقنا والآليات تقترب، شعرت أننا سنموت إذا بقينا دقيقة واحدة".

بدورها، أفادت المواطنة سحر (29 عامًا)، والتي كانت تقطن قرب مسجد بلال بن رباح: "الوضع كان مخيفًا ومرعبًا، كنت أحتضن ابنتي وأمشي على الزجاج والركام، الدخان والحرائق حولنا، وأصوات الانفجارات تدوي في مكان، خرجت وأنا لا أعرف أين أذهب. يارب فرجها علينا. يكفي يا عالم".

 

مسلسل الإبادة الجماعية يتواصل

سمير زقوت، نائب رئيس مركز الميزان لحقوق الإنسان، قال إن ما يجري في حي الزيتون بمدينة غزة ليس إلا حلقة جديدة في مسلسل الإبادة الجماعية التي ينفذها الاحتلال ضد الفلسطينيين منذ ما يقارب العامين، مشددًا على أن العملية الحالية تأتي امتدادًا لما حدث في شمال القطاع وخان يونس ورفح من تدمير شامل وتهجير قسري واستهداف للمدنيين والبنية التحتية.

وأوضح زقوت في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن قوات الاحتلال تتبع سياسة الأرض المحروقة عبر قتل جماعي وتدمير المنازل والمؤسسات واستخدام التجويع والإغاثة كسلاح حرب، مؤكدًا أن هذه الممارسات تمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة في تقارير صادرة يوميًا عن وكالات الأمم المتحدة المختلفة، والتي تصف بدقة ما يتعرض له السكان من استهداف منظم.

وأشار إلى أن ما يشجع الاحتلال على المضي في جرائمه هو شعوره بالحصانة، نتيجة غياب المساءلة الدولية وتواطؤ المجتمع الدولي، بما في ذلك رفض بعض الدول تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة الاحتلال.

واعتبر زقوت أن صمت المجتمع الدولي وتخلي الدول عن التزاماتها القانونية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية يمثل تواطؤًا مباشرًا في استمرار الجرائم. 

وأضاف: "اليوم نشهد في حي الزيتون عملية تطهير عرقي وتهجير قسري وتدمير ممنهج يجعل المنطقة غير صالحة للحياة، في مشهد يتكرر من حي إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى في قطاع غزة"، داعيًا إلى تحرك دولي عاجل وجاد لوقف الإبادة ومحاسبة المسؤولين عنها.

 

مستويات كارثية غير مسبوقة

من جهته، حذّر محمود بصل المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة من أن ما يجري في حي الزيتون بمدينة غزة هو عملية إبادة ممنهجة تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي، عبر تدمير الأحياء السكنية بشكل كامل باستخدام أحدث وسائل التدمير.

وأوضح المتحدث، أن قوات الاحتلال تلجأ إلى استخدام الروبوتات المتفجرة لتفجير المنازل في حي الزيتون، إلى جانب الغارات الجوية والقصف المدفعي، ما جعل الطواقم الميدانية عاجزة عن الوصول إلى المصابين أو انتشال جثامين الضحايا من تحت الركام.

وأضاف أن الوضع الإنساني في مدينة غزة بلغ مستويات كارثية غير مسبوقة، حيث "لم يعد أمام السكان أي مكان للنزوح إليه، ولم تعد هناك مقومات للحياة الأساسية"، مشددًا على أن المدنيين محاصرون بين القصف والركام دون مأوى أو غذاء أو دواء.

وأشار إلى أن ما يحدث في حي الزيتون هو جزء من مخطط شامل لتدمير مدينة غزة بالكامل، مؤكدًا أن قدرات الدفاع المدني شبه معدومة نتيجة الدمار الهائل ونفاد الوقود والمعدات، وهو ما يترك السكان يواجهون مصيرهم دون حماية.

وشدد بالقول: "قوات الاحتلال تبيد مدينة غزة على مرأى ومسمع العالم، بينما نحن كطواقم إنقاذ لا نملك أي وسائل لحماية المواطنين أو إنقاذ من تبقى تحت الركام".

 

تدمير ما تبقى من الحي

ومن جانبه، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي تقوم منذ ستة أيام بتسوية حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة بالأرض، مدمّرة نحو 400 منزل عبر تفجيرها بروبوتات مفخخة وقصفها بالطائرات الحربية.

وأوضح المرصد، أن هذا يأتي ضمن هجوم عسكري واسع النطاق يستهدف تدمير محافظة غزة على غرار ما جرى في محافظات رفح، وخان يونس، وشمالي القطاع، والقضاء على سكانها وتهجير من ينجو منهم قسرًا، في إطار جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد الفلسطينيين في القطاع.

وأضاف أنّ الهجوم العسكري على حي الزيتون، الذي بدأ في 11 أغسطس/ آب الجاري، يأتي في إطار خطة معلنة من "إسرائيل" لفرض سيطرتها الكاملة وغير القانونية على مدينة غزة، وتهجير سكانها مع النازحين إليها من شمالي القطاع، والذين يقدَّر عددهم بنحو مليون نسمة، إلى مناطق معزولة ومحدودة المساحة جنوبي القطاع.

وأشار إلى أنّ قوات الاحتلال تستخدم طائرات مسيّرة من نوع "كوادكوبتر" لحصار المربعات السكنية في حي الزيتون وإجبار السكان على المغادرة تحت تهديد السلاح، فيما تتقدّم آلياتها العسكرية تحت غطاء ناري كثيف وتتمركز خلف شارع 8 وقرب مفترق "دُولة" وأرض "البرعصي" و"عليين"، منبها إلى أن ذلك دفع أكثر من 90 ألف مواطن يقطنون الحي على النزوح منه تحت القصف المكثف.

وبيّن أن فريقه الميداني، وثق استهداف قوات الاحتلال منازل عائلات "لبد"، "العايدي"، "دادر"، و"ارحيم"، ما أسفر عن استشهاد 9 مواطنين من عائلة "ارحيم".

ووثق شنّ الطائرات الحربية غارات على منازل في محيط مسجد "بلال بن رباح"، شملت منازل عائلات "دلول" و"النعسان" ومقر شركة "السكسك"، إضافة إلى عمارات "كحيل" و"شهد" و"صيام"، وقصفت منزلًا لعائلة "الحصري" قرب مسجد "الفاروق"، ما أدى إلى استشهاد 4 مواطنين.

وأفاد بأنّ قوات الاحتلال فجّرت عشرات المنازل في شارع 8 وبداية منطقة "حسن البنا"، واستهدفت خيام نازحين من عائلة "حنيدق"، ما أسفر عن استشهاد 7 مواطنين.

كما استهدف عدة منازل في محيط "الكلية الجامعية"، ومدرستي "الفلاح" و"عين جالوت"، ومركز إيواء تابع للأوقاف في شارع "البساتين" ما أوقع 8 شهداء، بالإضافة إلى منزل عائلة "أبو دف" الذي أسفر قصفه عن استشهاد 12 شخصًا.

وبيّن المرصد أنّ القصف المدفعي والجوي ما يزال مستمرًا على مناطق "حسن البنا" و"المصلّبة" و"الكلية الجامعية" و"النديم" وشارع المدارس، مع وجود جثامين لمدنيين قتلوا في غارات إسرائيلية في الطرقات قرب مدرسة "عين جالوت" ومسجد "بدر"، تعذر انتشالهم بسبب استمرار القصف.

ولفت إلى أن الطائرات الإسرائيلية قصفت عمارة "الحويطي" في البلدة القديمة قرب مسجد "كاتب ولاية"، ما أسفر عن استشهاد سيدة وطفلتها، إلى جانب استهداف أرض فارغة قرب المسجد.

وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ تدمير نحو نصف منازل حي الزيتون لم يُبرَّر بأي ضرورة عسكرية، إذ لم تُسجَّل اشتباكات مسلحة في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

وأشار إلى أنه جرى استخدام وسائل تفجير آلية وروبوتات مفخخة بشكل واسع ومنهجي بعد إخلاء المنازل من سكانها، ما يؤكد أن الغاية من العملية ليست تحقيق هدف عسكري مشروع، بل استهداف مقومات الحياة الفلسطينية ودفع السكان نحو التهجير القسري.

وشدّد على أنّ ما يجري في حي الزيتون، أكبر أحياء مدينة غزة مساحة، يندرج ضمن سياسة إسرائيلية منهجية تهدف إلى استكمال جريمة الإبادة الجماعية ومحو المدن الفلسطينية من خلال التدمير الشامل للمنازل والبنية التحتية وإزالة مقومات الحياة الأساسية.

ودعا المرصد المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة ومؤسسات إنفاذ القانون الدولي، إلى التدخل العاجل لوقف المجازر، وضمان حماية المدنيين، ومساءلة قادة الاحتلال عن الجرائم المروعة المرتكبة بحق السكان.

وحذّر من أنّ استكمال الاحتلال عدوانه وتوسعه لإحكام السيطرة العسكرية التامة على محافظة غزة ينذر بارتكاب مذابح جماعية غير مسبوقة بحق المدنيين، ويقضي نهائيًا على ما تبقى من جهود الاستجابة الإنسانية المتهالكة أصلًا.

وأكد أن هذا التصعيد، في حال تنفيذه، سيكرّس فصلًا غير مسبوق من الإبادة الجماعية الإسرائيلية، تُرتكب على مرأى من المجتمع الدولي الذي يواصل توفير الغطاء السياسي والمالي والعسكري لمرتكبيها، ما يجعل المجازر القادمة أفعالًا معلنة سلفًا، لا باعتبارها تطورات ميدانية مفاجئة، بل نتيجة محسوبة لسياسة رسمية وعلنية، يتحمّل المجتمع الدولي مسؤوليتها الكاملة بصمته وتخاذله، وتواطؤ العديد من الدول بشكل مباشر.

وحثّ المرصد الأورومتوسطي الدول والكيانات على ممارسة جميع الضغوط الممكنة على "إسرائيل" لإجبارها على التوقف عن تنفيذ جريمة التجويع، والدفع فورًا باتجاه استعادة الوصول الإنساني ورفع الحصار الإسرائيلي غير القانوني عن قطاع غزة، باعتباره السبيل الوحيد الكفيل بوقف التدهور الإنساني المتسارع وضمان دخول المساعدات الإنسانية والبضائع، في ظل الخطر الوشيك بحدوث مجاعة.

ودعا إلى ضمان إنشاء ممرات إنسانية آمنة بإشراف الأمم المتحدة لضمان وصول الغذاء والدواء والوقود إلى جميع مناطق القطاع، مع نشر مراقبين دوليين مستقلين للتحقق من الامتثال، وضمان إعادة تأهيل القطاعين الزراعي والحيواني في غزة بأسرع وقت ممكن، كجزء من جهود الإغاثة الطارئة والتعافي على المدى الطويل.

وطالب جميع الدول، منفردة ومجتمعة، بتحمّل مسؤولياتها القانونية والتحرك العاجل لوقف جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة بأفعالها كافة، واتخاذ جميع التدابير الفعلية لحماية الفلسطينيين المدنيين هناك، وضمان امتثال "إسرائيل" لقواعد القانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية، وضمان مساءلتها ومحاسبتها على جرائمها ضد الفلسطينيين.

ودعا أيضًا إلى تنفيذ أوامر القبض التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي ووزير جيشه السابق في أول فرصة وتسليمهم إلى العدالة الدولية، ودون إخلال بمبدأ عدم الحصانة أمام الجرائم الدولية.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة