تقرير – شهاب
وسط دخان القصف وصوت الانفجارات المتواصل، تعيش مدينة غزة واحدة من أكثر مراحلها قسوة منذ عقود، وأبشع فصول حرب الإبادة المتواصلة، حيث أصبح استهداف الأبراج السكنية سياسة ممنهجة تستهدف قلب الحياة في المدينة.
فالأبراج التي كانت حتى الأمس القريب رمزًا للحياة الحضرية والسكن المشترك لعشرات العائلات، باتت اليوم ركامًا متناثرًا فوق أنقاضه قصص مئات الأسر المشردة، ومع كل غارة جوية إسرائيلية على بناية أو برج، يتجدد مشهد النزوح القسري لعائلات تُجبر على مغادرة منازلها تحت تهديد القصف المباشر، ليكتشفوا بعد دقائق أن ملاذهم الأخير قد تحول إلى أطلال.
ومع توالي الشهادات الحقوقية والرسمية، يزداد الجدل حول الهدف الحقيقي من هذا النمط من الاستهداف، الذي يرى فيه مراقبون أنه يتجاوز الأبعاد العسكرية المعلنة، ليدخل في إطار العقاب الجماعي ومحاولة فرض واقع ديموغرافي جديد بالقوة، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني.
ويرى خبراء القانون الدولي أن استهداف المباني السكنية دون مبرر عسكري مشروع يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في اتفاقية جنيف الرابعة، وقد يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وبينما تتواصل عمليات القصف والتدمير لليوم الـ700 من الحرب على غزة، يجد نحو مليوني فلسطيني أنفسهم أمام واقع قاسٍ تتسع فيه دائرة النزوح والتشريد، فيما يغيب أي أفق لحماية المدنيين أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المتصاعدة.
مخطط تهجير قسري ممنهج
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أدان استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي للأبراج والعمارات السكنية في مدينة غزة، مؤكداً أن هذه الهجمات تمثل جزءاً من "مخطط تهجير قسري ممنهج" بحق المدنيين.
وأوضح المكتب، أن مدينة غزة تضم نحو 51,544 مبنىً وعمارةً وبرجاً سكنياً، مشدداً على أن الأبراج المستهدفة مدنية بالكامل ولا تُستخدم لأي نشاطات عسكرية، خلافاً لما يدعيه الاحتلال من وجود "بنية تحتية إرهابية" بداخلها.
وأضاف أن "المزاعم الإسرائيلية ليست سوى سياسة تضليل ممنهجة لتبرير استهداف المدنيين والبنية التحتية"، مشيراً إلى أن القصف الجوي يطال المباني السكنية والخيام المكتظة بالنازحين "دون أي مبرر عسكري مشروع"، ما يشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني و"جريمة حرب مكتملة الأركان".
وأكد المكتب أن استهداف الأبراج السكنية يهدف إلى "تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية لقطاع غزة وفرض واقع ديموغرافي جديد بالقوة"، لافتاً إلى أن هذه الهجمات تأتي ضمن سلسلة ممنهجة من الاعتداءات على المنازل والمنشآت المدنية.
كما أشاد بصمود الفلسطينيين في مواجهة العدوان الإسرائيلي، مطالباً المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق عاجل في هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى العمل على وقف استهداف المدنيين وحمايتهم من "سياسة القتل والتهجير القسري".
جريمة حرب
ومن جانبه، أكد الخبير في القانون الدولي محمد طي، أن تدمير الاحتلال الإسرائيلي، للأبراج والمباني السكنية العالية في مدينة غزة وإجبار المواطنين على النزوح قسراً هي جرائم حرب، لأنها تطال المدنيّين والأهداف المدنيّة.
وأوضح طي في حديثه لوكالة شهاب للأنباء، أن هذه الأفعال إذا وُضعت في سياقها من الحرب المجنونة على غزّة فهي جريمة إبادة جنس بشري (genocide) وتطهير عرقي.
وأضاف أن هذه الجرائم في إطار المؤامرة على الفلسطينيين المستمرّة منذ أكثر من قرن، تشكل جريمة إلغاء وطن فلسطين واستبدال "وطن" آخر به.
واعتبر الخبير أن هذه الأفعال تمثل أخطر جريمة يمكن أن تُرتكب على الإطلاق بحق الشعب الفلسطيني.
فيما حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، من انقطاع وشيك بشبكات الاتصالات والإنترنت في غزة جراء القصف الإسرائيلي للأبراج السكنية.
وقال المرصد، إن استهداف المباني المرتفعة في غزة يشكل تهديدًا مباشرا لقطاع الاتصالات والإنترنت لأن الشركات المحلية تثبّت على أسطح هذه المباني معداتها الفنية الحيوية.
لا مكان آمن في غزة
ومن جهته، أدان مركز حماية لحقوق الإنسان استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في تدمير الأبراج السكنية والبنايات متعددة الطوابق بمدينة غزة، واعتبر أن هذه السياسة تمثل "تصعيداً خطيراً" يندرج ضمن مخططات التهجير القسري ويشكّل صورة من صور العقاب الجماعي بحق المدنيين.
وأوضح المركز، أن الهجمات الإسرائيلية تزامنت مع تصريحات وزير الحرب في حكومة الاحتلال، يسرائيل كاتس، الذي أعلن أمس الجمعة عن تصعيد العملية العسكرية في غزة قائلاً: "الآن تفتح بوابات الجحيم في غزة".
وأشار المركز إلى أن طائرات الاحتلال باشرت عقب هذه التصريحات باستهداف منازل وأبراج سكنية، ما أدى إلى تدميرها كلياً وتشريد عشرات العائلات ومئات المدنيين، محذراً من أن سكان غزة "لا يجدون أي مكان آمن يلجأون إليه" في ظل اتساع دائرة القصف.
وأضاف أن قوات الاحتلال أرسلت رسائل واتصالات هاتفية لسكان بعض الأبراج طالبتهم بإخلائها تمهيداً لقصفها، وهو ما تسبب بحالة من الهلع والخوف الشديد بين السكان داخل الأبراج والمناطق المجاورة.
وبحسب المركز، فإن استهداف المباني السكنية يدخل في إطار "سياسة ممنهجة لترويع المدنيين وتكريس العقاب الجماعي"، مؤكداً أن هذه الأفعال "تتناقض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، وترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".
وطالب مركز حماية المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بالتدخل الفوري لوقف هذه الانتهاكات، كما دعا الأمم المتحدة إلى "التخلي عن صمتها المريب"، وحث المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على فتح تحقيق عاجل في "جرائم استهداف الأبراج والمباني المدنية".
ومنذ 7 أكتوبر 2023، ترتكب "إسرائيل" جرائم حرب بدعم كامل من الإدارة الأمريكية، التي تقدم غطاءً سياسيًا وعسكريًا للاحتلال ضد المدنيين بغزة.
وخلّفت الإبادة 64,300 شهيدًا و162,005 مصابا من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وأكثر من 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين.
