يثير العرض الذي تسرّب مؤخرًا بشأن التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس تساؤلات حول مصدره الحقيقي: هل هو فعلًا مبادرة أمريكية من الرئيس السابق دونالد ترامب، أم نسخة إسرائيلية قديمة صُنعت في تل أبيب وأعيد تغليفها بغطاء أمريكي برّاق؟ تمامًا كما يُصنّع "الآيفون" في الصين ويُسوّق بعبارة "Designed in California".
بنود العرض المسرب
الكاتب والمحلل وسام عفيفة أوضح أن التفاصيل المتداولة تشير إلى التزام بإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين، أحياءً أو قتلى، خلال 48 ساعة من توقيع الاتفاق، مقابل إفراج متزامن عن عدد من الأسرى الفلسطينيين، بينهم محكومون بالمؤبد ومعتقلون من غزة.
كما نص العرض على وقف فوري لإطلاق النار يمتد لشهرين أو حتى انتهاء المفاوضات، مع ضمانة شخصية من ترامب بأن الأطراف ستتفاوض "بحسن نية".
وتضمّن العرض ملفات حساسة، من بينها: تعريف وضع حركة حماس، نزع سلاحها، تشكيل حكومة جديدة، وانسحاب القوات الإسرائيلية بالتزامن مع تشكيل هذه الحكومة أو عند نجاح المفاوضات، إلى جانب العفو عن أعضاء الحركة. وعلى الصعيد الإنساني، شددت الورقة على فتح تدفق المساعدات إلى غزة منذ اللحظة الأولى للتنفيذ.
وبحسب عفيفة، فإن البنود قد تبدو إنسانية وسياسية، لكنها تحمل في طياتها تهديدًا خفيًا يتخفى وراء شعارات "الإنقاذ".
فملف الرهائن تصدّر المشهد باعتباره المدخل الأساسي لأي تقدم، فيما جرى تقديم إطلاق الأسرى الفلسطينيين كتنازل موازٍ لكنه محدود، يذكّر بصفقات تبادل سابقة.
أما وقف إطلاق النار، فجاء كهدنة قصيرة الأجل مدتها 60 يومًا، دون أي التزام استراتيجي بإنهاء الحرب. أما ضمانة ترامب، فهي مجرد التزام سياسي شخصي بلا قوة تنفيذية.
تطويع سياسي
أخطر ما في العرض ـ بحسب عفيفة ـ هو الملفات الخمسة المطروحة للتفاوض، إذ تنقل النقاش من وقف الحرب إلى إعادة تعريف حماس سياسيًا وتجريدها من سلاحها، مع إدماجها في حكومة جديدة قد تذيبها داخل سلطة أوسع. أما الانسحاب الإسرائيلي من غزة، فجاء مشروطًا بالنجاح التفاوضي، ما يمنح الاحتلال ورقة القرار حتى اللحظة الأخيرة.
الجزرة الإنسانية
الجانب الإنساني وُضع في خانة "الجزرة المعلّقة"، حيث رُبط تدفق المساعدات بقبول حماس بتنفيذ البنود، الأمر الذي يحوّل المساعدات من حق إنساني إلى أداة ضغط إسرائيلية.
في غزة، يُنظر إلى العرض باعتباره نسخة باهتة من مقترحات إسرائيلية سابقة، لا يقدّم وقفًا صريحًا للحرب ولا انسحابًا واضحًا للقوات الإسرائيلية. بالنسبة للفلسطينيين، فإن أي مبادرة تخلو من هذين الشرطين لن تكون سوى محاولة جديدة لإدارة الأزمة بدل حلها، وجولة إضافية في لعبة العلاقات العامة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
ويخلص عفيفة إلى أن العرض المسرب قدّم بملصق أمريكي يحمل اسم ترامب، لكنه في جوهره يحمل بصمات واضحة للمؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية. وبينما يحاول ترامب الظهور بمظهر "صانع الصفقات" القادر على إطلاق نسخة جديدة من "صفقة القرن"، يبقى الميدان، لا الأوراق، هو الحكم الفصل في قبول الفلسطينيين أو رفضهم لأي مبادرة.
