بعد ثلاثة عقود من الاعتقال القاسي، يتهيأ الأسيران المقدسيان نصري عاصي وأيمن سدر لمعانقة الحرية ضمن الصفقة الثالثة لتبادل الأسرى بين المقاومة في قطاع غزة والاحتلال، في مشهد عملاق يختصر معاناة الأسر الطويلة وصمود الفلسطينيين خلف القضبان.
تأتي هذه الصفقة في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بوساطة دولية، بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي أوقعت عشرات آلاف الشهداء والجرحى ودمّرت البنية التحتية للقطاع المحاصر.
يُعدّ الأسير نصري عاصي من أبرز الأسرى المحكومين بالمؤبدات في سجون الاحتلال، إذ وُلد في 27 سبتمبر/أيلول 1977 في مدينة القدس، وترعرع في بلدة بيت لقيا بمحافظة رام الله.
اعتقلته قوات الاحتلال في 17 يوليو/تموز 2005، بعد 45 يومًا فقط من زفافه، ووجّهت له سلطات الاحتلال تهمًا تتعلق بالانتماء إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام والمشاركة في تنفيذ عملية استشهادية، ليُحكم عليه بالسجن 18 مؤبداً و70 عامًا إضافية.
قضى نصري سنوات عمره في سجن ريمون الصحراوي، حيث استقبل هناك مولوده البكر وهو خلف القضبان، دون أن يُسمح له برؤيته أو احتضانه.
كما واصل تعليمه من داخل الأسر، وأنهى الثانوية العامة متحديًا ظروف السجن والعزل. وتنتظر زوجته – التي لم تعش معه سوى 45 يومًا – لحظة اللقاء التي حلمت بها طيلة عشرين عامًا من الانتظار والأمل.
أما الأسير أيمن عبد المجيد عاشور سدر، البالغ من العمر 57 عامًا، فهو من بلدة أبو ديس شرق القدس المحتلة، متزوج وأب لابن واحد يُدعى محمد، كان عمره أربعة أشهر فقط عند اعتقال والده في 13 مايو/أيار 1995 على حاجز بيت حانون أثناء عودته من قطاع غزة.
وُجهت إليه تهم الانتماء لكتائب القسام، وتقديم معلومات وخرائط لاستخدامها في تنفيذ عمليات استشهادية، وتسهيل وصول مجاهدين إلى أماكن العمليات. وحكم عليه الاحتلال بالسجن المؤبد مدى الحياة إضافة إلى 25 عامًا.
خضع سدر لتحقيق قاسٍ استمر أكثر من خمسة شهور في مركز المسكوبية، وتعرض خلالها لشتى أساليب التعذيب الجسدي والنفسي. صنّفه الاحتلال من بين "أخطر الأسرى"، ورفض الإفراج عنه ضمن صفقة وفاء الأحرار عام 2011، كما أغلق منزله في أبو ديس بالباطون المسلح بعد اعتقاله مباشرة.
تنقل سدر بين مختلف سجون الاحتلال ويقبع حاليًا في سجن رامون الصحراوي. يعاني من مشاكل مزمنة في الكلى والمفاصل، وأصيب خلال جائحة كورونا بجلطة رئوية حادة نقل إثرها إلى العناية المكثفة، بينما تواصل سلطات السجون سياسة الإهمال الطبي المتعمد بحقه.
ويُعد أيمن سدر من عمداء الأسرى المقدسيين وأقدمهم، ويحظى باحترام واسع داخل السجون لدوره التنظيمي والوطني والإنساني بين الأسرى، ومشاركته الفاعلة في الأنشطة التعليمية والثقافية للحركة الأسيرة.
اليوم، ومع تنفيذ المرحلة الثالثة من صفقة التبادل بين كتائب القسام وإسرائيل، يتأهب هذان الأسيران العتيقان لمغادرة الزنازين التي احتضنتهما عقودًا طويلة، وليكتبا فصلًا جديدًا من الحرية التي وعدت بها المقاومة منذ البداية، في مشهد يُلخّص صبر الأسرى وعزيمتهم، ويعيد للأمل نبضه في قلوب عائلاتهم التي لم تفقد الإيمان بلحظة الفرج.
وأعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، التزامها الكامل بتنفيذ ما ورد في التفاهمات المتعلقة بصفقة تبادل الأسرى، مؤكدة أن الجداول الزمنية للمرحلة الثالثة من الاتفاق ستُنفّذ وفق التزام الاحتلال ببنود الاتفاق.
وقالت الكتائب في بيانٍ صحفي إن "ما تم التوصل إليه هو ثمرة لصمود الشعب الفلسطيني وثبات مقاوميه في مواجهة العدوان والإبادة"، مشيرة إلى أن الاحتلال "فشل في استعادة أسراه عبر الضغط العسكري رغم تفوقه الاستخباري، واضطر في النهاية إلى الخضوع لصفقة تبادل كما وعدت المقاومة منذ البداية".
وأكدت القسام أن الصفقة تمثل انتصاراً جديداً لإرادة المقاومة الفلسطينية وتجسيداً لوحدة الموقف الوطني، معتبرة أنها تُعيد الأمل إلى آلاف الأسر الفلسطينية التي تنتظر أبناءها في سجون الاحتلال منذ عقود.
