شهاب / خاص
غارات وإستهدافات إسرائيلية كبيرة وعنيفة بكل مكان جنوب لبنان، تجاوزت الخطوط الحمراء المرسومة منذ اليوم التالي لمعركة "طوفان الأقصى" بالثامن من أكتوبر للعام الماضي، بعد أن شكل حزب الله اللبناني جبهة اسناد للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
المواجهة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله اتخذ منحى بالغ الخطورة، عقب استهداف الاحتلال مناطق ومنشآت مدنية وارتقاء مئات الشهداء اللبنانيين في يوم واحد، مما دفع حزب الله للرد على الغارات الواسعة باستهداف قواعد عسكرية إسرائيلية باستخدام صواريخ جديدة وتوسيع رقعة القصف الصاروخي.
هذه الغارات شملت عمليات اغتيال للعديد من قادة الحزب الكبار أبرزهم فؤاد شكر وإبراهيم عقيل وإبراهيم قبيسي، والعديد من القادة الميدانيين من فصائل فلسطينية ولبنانية، في محاولة للاحتلال إيقاف جبهة الاسناد القوية لقطاع غزة، الذي يتعرض لحرب إبادة جماعية على مرأى ومسمع العالم أجمع، بحسب مراقبون.
ووفق مختصون، فإن حزب الله اللبناني يواصل سياسته بمواصلة جبهة الإسناد التي فتحها حزب الله ضد الاحتلال بكل قوة، وعُلّق مصيرها بمصير الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كما أشار لذلك الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في أكثر من خطاب، أما الاحتلال، شكّلت معادلة هذه الجبهة تحدياً "استثنائياً" له ويريد نسفها.
"أهداف استراتيجية"
المختص في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي، قال إن السلوك الحالي لحزب الله في قيادة المعركة هو أسلوب مقتدر وواعي يركز على الأهداف الاستراتيجية أكثر من تركيزه على ردات الفعل وعلى تكتيكات أو إنجازات تكتيكية ليست في محلها.
وأضاف ياغي في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أنه يعتقد أن في جعبة حزب الله أيضا رسائل أخرى سوف نلاحظها في الأيام القادمة إذا ما استمرت المعركة واعتقد بأن أحدها هي قيام حزب الله بتوغلات في الداخل الاسرائيلي لتنفيذ عمليات يثبت للإسرائيلي بأن كل معلوماته وكل ما يعلم وكل أهدافه وكل ما يخطط له قد فشل.
وأشار إلى أن حزب الله منذ بداية المعركة كان يهدف إلى أن يحول جبهة الإسناد إلى حرب استنزاف ونجح في ذلك لمدة أكثر من 11 شهرا واستنزف الوضع الداخلي بشكل كبير لدرجة رأينا الانقسامات الحادة في الداخل الإسرائيلي ولكن كما يبدو الإسرائيلي لديه خطة عملياتية وبناء على هذه الخطة استمر في تحمل عمليات الاستنزاف حتى وصل إلى المرحلة التي أراد منها أن يبلغ رسميا حزب الله برسائل بأنه عليه أن يفك جبهة الإسناد عن غزة وأن يبتعد عن عنها وفشل في ذلك على الرغم من مجزرة البيجرز ولا سلكي واغتيال القيادات في داخل حزب الله.
وتابع: "الضربات الأخيرة كانت إشارة واضحة من الجانب الإسرائيلي بأننا لدينا بنك أهداف محدد ولدينا معلومات محددة حول قدرات حزب الله لكن ما حدث خلال اليومين الأخيرين من هجوم واسع النطاق بأكثر من 1800 غارة جوية من قبل الإسرائيلي على الجنوب اللبناني وعلى البقاع وجزء بسيط قريب من الضاحية أو في الضاحية يثبت بأنه رغم كل ما يتحدث عنه الإسرائيلي ورغم كل ما في جعبة الإسرائيلي إلا أن قدرات حزب الله مازالت موجودة".
وبين ياغي أن "إسرائيل" تحاول أن تجر حزب الله إلى حرب شاملة ولا أعتقد أن حزب الله سوف ينجر وفقاً للأسلوب الإسرائيلي باعتقادي لأسباب متعددة أهمها أنه يعي جيدا واقعه الداخلي والحزب يريد أن يستنزف الجيش الإسرائيلي في أهدافه المتعددة في داخل الجنوب والبقاع وثالثا يمنع من أن يتم تدمير البنية التحتية في داخل بيروت في الأساس وفي داخل لبنان ويريد أن يحافظ على استمرارية حرب الاستنزاف".
وأردف: "لبنان تهدف من المواجهة إفشال إسرائيل في قضيتين القضية الأولى عدم عودة سكان المستوطنات إلى مستوطناتهم في شمال فلسطين المحتلة بل زيادة عدد النازحين وهذا الآن ما يحدث في منطقة الشمال لأن حزب الله يركز على منطقة الشمال والهدف الثاني البقاء على جبهة لبنان جبهة اسناد لغزة بمعنى أن لا حلول مع المقاومة في داخل لبنان بالرغم من كل الأثمان والكلفة العالية التي سيدفعها حزب الله وجماهير حزب الله ولبنان والجنوب اللبناني".
وأوضح أن "البقاء بأساس من كلفة عالية نتيجة يكشف سلوك ذو عقلية فذة تتحمل الخسائر تتحمل الكلفة التي سوف تدفعها في مقابل التركيز على الهدف الاستراتيجي في حين حتى الآن نستطيع القول إن اسرائيل تحقق انجاز تكتيكي في الداخل اللبناني لكن لم تحقق أي انجاز استراتيجي والكثير من المعلقين الإسرائيليين تحدثوا حول هذا الموضوع".
وقال ياغي إن المعركة طويلة لذلك حزب الله يقوم بشكل تدريجي في عمليات استهدافه وبشكل محدد باستهداف قواعد عسكرية واستهداف مصانع عسكرية وباستهداف مخازن عسكرية وبالتالي هذا يؤثر بشكل كبير على الداخل الإسرائيلي بالذات على منطقة الشمال لذلك الآن الحزام الذي بدأ يفرضه حزب الله يمتد من حيفا وحتى حدود لبنان.
وأضاف أن حزب الله يريد تأخير الحرب الشاملة بعض الشيء لعلى وعسى يتم التوصل إلى حلول دبلوماسية، ومعركة الاستنزاف طويلة تحتاج صبر ونفس طويل لأن الاسرائيلي يرى بأنها معركة وجودية رغم انها لم تكن معركة وجودية ولكن الاسرائيلي أراد ان يستغل السابع من اكتوبر ليحقق مفاهيم وتحديثات أمنية جديدة ان كان على صعيد الضفة أو غزة أو على صعيد لبنان.
"نظرة عسكرية"
من جهته، أكد الخبير العسكري اللواء فايز الدويري، أن "إسرائيل" بدأت تحولًا خطيرًا بعد استهدافها قرى وبلدات جنوب لبنان لضرب الحاضنة الشعبية لحزب الله وتقويض قدراته العسكرية في نفس الوقت.
وأوضح الدويري أن استهداف بيروت يجعل حزب الله ملزمًا بالرد بطريقة مناسبة، لافتًا إلى أن "إسرائيل" حوّلت تصريحاتها من الحديث عن مواصلة القصف الجوي إلى احتمال الدخول البري في جنوب لبنان.
وبدوره، أوضح الخبير العسكري العميد إلياس حنا، أن "إسرائيل" اتّخذت منحى خطيرا بغاراتها منذ الإثنين الماضي، جعلت حزب الله ملزمًا بتطبيق قاعدة "تل أبيب" مقابل بيروت.
ورجّح حنا أن يكون استهداف بيروت عملًا نوعيًا وليس قصفًا عشوائيًا، مشيرًا إلى أنه سبق واستهدفت الضاحية الجنوبية في عمليات الاغتيال التي طالت القيادي العسكري فؤاد شكر والقيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) صالح العاروري.
وقال، إن الرد على قصف بيروت اليوم يتوقف على طبيعة الضربة، مشيرًا إلى أن "إسرائيل" انتقلت من ضرب الهرمل حيث العمق الإستراتيجي لحزب الله إلى بيروت حيث تمركز القيادات، واصفًا هذا التطور بالخطير.
هل ستؤثر الاغتيالات؟
من جانبه، قال الخبير العسكري "الإسرائيلي" يوسي ميلمان، إن الاغتيالات الأخيرة التي نفّذتها "إسرائيل" على قيادات حزب الله، لا يمكن أن تؤثر بأي شكل على قدرات الحزب الله ومواصلته للحرب وضرب مستوطنات الشمال والقواعد العسكرية.
وأضاف ميلمان، في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، إن "عمليات الاغتيال لإبراهيم عقيل رئيس العمليات في حزب الله و15 من القادة في قوة النخبة (الرضوان)، هي عملية مثيرة، لكن لم تكن لتؤثر على القدرات العسكرية لحزب الله".
واستدرك ميلمان بقوله: "في منظمات مثل حماس وحزب الله تم تغيير تشكيلات البنى العسكرية واستبدال أصحاب المناصب الرفيعة عقب عمليات الاغتيال".
وكشف أن حكومة الاحتلال تجد صعوبة في الفهم أن "الاغتيالات" عمليًا تجدد شباب صفوف القيادة العليا في المنظمة، مشددًا على أنه "في حزب الله تم القيام بعمل جماعي منظم، إجراءات عمل ووضع خطط وتسلسل قيادي واضح".
وتابع: "في الواقع، نجاعة عمليات الاغتيال وتأثيرها محدود زمنيًا على حزب الله، والدليل على ذلك هو أنه رغم تصفية الشخصيات الكبيرة إلا أن حزب الله يستمر في الأداء، وأمس زاد مدى إطلاقه".
وأشار إلى أن حزب الله يحاول الحفاظ على مبدأ معادلة اللكمات، فالحزب امتنع عن إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، مضيفا أنه إذا استمر منطق التصعيد فإنه في القريب سيحدث ذلك، وفي أعقابه سيتم رفع كل القيود والمعيقات من قبل الطرفين.
وشدد الخبير "الإسرائيلي" على أن الثمن الذي ستدفعه "إسرائيل" بحياة الجنود و"الإسرائيليين" والممتلكات سيكون باهظا جدا، وحتى أكبر من الثمن الذي جبته الحرب في غزة، إذا قرّر غزو لبنان بريًا.
ودعا إلى ضرورة العمل على إنهاء الحرب بتسوية سياسية، موضحًا أن هذه التسوية محتملة في الوضع الحالي فقط من خلال تطبيق خطة الرئيس الأمريكي جو بايدن، لوقف إطلاق النار في غزة، وعقد صفقة لتبادل الأسرى، ووقف النار في لبنان، ما سيؤدي إلى إبعاد حزب الله عن الحدود وإعادة المستوطنين للشمال.
