سلاح "الكارلو" يعيد العمليات البطولية إلى الواجهة ويُربك إسرائيل في قلب القدس

كشفت وسائل إعلام عبرية أن السلاحين اللذين استخدمهما منفذا العملية الفدائية عند مفرق مستوطنة "راموت" شمال القدس المحتلة، صباح الاثنين، هما مسدس "سدس" و"كارلو" محلي الصنع.

وأوضحت المصادر أن العملية، التي أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الإسرائيليين، نُفذت بأدوات بسيطة لكنها تمكنت من إرباك المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وضرب أحد أكثر المواقع حساسية في قلب المدينة المحتلة.

وأشارت إلى أن اعتماد المقاومين على أسلحة محلية الصنع يعكس قدرة الفلسطينيين على تجاوز إجراءات الاحتلال الأمنية المشددة، وتطوير أدوات مواجهة تُمكّنهم من تنفيذ عمليات مؤثرة رغم القيود والملاحقات.

وتأتي العملية في ظل تصاعد التوتر الأمني في الضفة الغربية والقدس، وارتفاع وتيرة العمليات الفردية والمنظمة ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى تعزيز قواته في المنطقة ورفع حالة التأهب.

 أرباك أمن الاحتلال

شكّل سلاح "الكارلو" محلي الصنع أحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحول من نسخة بدائية مطوّرة عن الرشاش السويدي "كارل غوستاف" إلى أداة فاعلة في عمليات نوعية داخل القدس والضفة وداخل العمق الإسرائيلي.

ورغم بساطته ومحدودية دقته، نجح "الكارلو" في ترسيخ معادلة جديدة قائمة على إرادة الابتكار الشعبي في مواجهة الترسانة العسكرية المتطورة للاحتلال، حيث بات تصنيعه يتم في ورش صغيرة تحت ظروف حصار وملاحقة أمنية مشددة.

ظهر السلاح لأول مرة بشكل مدوٍّ في عملية "سارونا" بتل أبيب عام 2016، التي نفذها شابان من الخليل وأسفرت عن مقتل 4 إسرائيليين وإصابة آخرين، وهو ما اعتبر حينها "صدمة أمنية" أربكت أجهزة الاحتلال. وبعدها بعام، أعاد هجوم باب الأسباط في القدس 2017 السلاح إلى الواجهة، عندما تمكن ثلاثة شبان من أم الفحم من قتل جنديين إسرائيليين قبل استشهادهم، ليثبت أن "الكارلو" يمكن أن يشق طريقه حتى أكثر المناطق تحصينًا.

ومنذ ذلك الحين، تواصلت العمليات التي استخدمت هذا السلاح في الخليل ونابلس ورام الله، مستهدفة حواجز الاحتلال ومركبات المستوطنين، فيما برزت عملية بني براك 2022 قرب تل أبيب كأحد أخطر تلك العمليات، بعد أن أوقعت 5 قتلى إسرائيليين، ورسّخت حضور "الكارلو" في مشهد المقاومة المسلحة.

ومع تصاعد الهبّات الشعبية والمواجهات خلال العامين الأخيرين، عاد السلاح للواجهة في جنين ونابلس والقدس، مؤكدًا أن الرهان الإسرائيلي على "نزع السلاح" يظل واهيًا أمام قدرة الفلسطينيين على تطوير أدواتهم القتالية بوسائل بسيطة، لكنها فعّالة.

وفي عملية راموت بالقدس المحتلة، عاد "الكارلو" إلى المشهد ليذكّر الاحتلال أن البدائية لا تعني العجز، بل قد تتحول إلى عنصر مفاجأة يربك منظومته الأمنية. فالسلاح الذي حاولت الدعاية الإسرائيلية التقليل من شأنه، بات عنوانًا لصمود الفلسطينيين وإبداعهم في تحويل المستحيل إلى ممكن، وجعل من "سلاح الفقراء" أداة تفرض قواعد اشتباك جديدة في قلب المدن المحتلة.

"اعتداءً نوعيًا"

أعادت عملية راموت في القدس المحتلة رسم ملامح المشهد الأمني الإسرائيلي، بعدما اعتُبرت من جانب المستويات الرسمية والأمنية "اعتداءً نوعيًا" يضرب في عمق العاصمة ويكشف هشاشة المنظومة الداخلية. فالهجوم الذي نفذه مقاومان فلسطينيان في وضح النهار، وبأسلحة بسيطة محلية الصنع، أثار قلقًا بالغًا داخل أجهزة الاحتلال، إذ أعاد للأذهان موجات العمليات الفردية والمنظمة التي يصعب توقعها أو منعها.

وبحسب التقديرات الأولية، دفعت العملية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى رفع مستوى التأهّب في القدس والضفة الغربية، مع تعزيز الحواجز ونشر وحدات إضافية من الجيش والشرطة على مداخل المدن والطرق الرئيسية. كما تقرر تعزيز قوات الاحتلال في الضفة لمنع تكرار مثل هذه العمليات، في خطوة تعكس إدراك تل أبيب لخطورة انتقال الهجمات من الطابع الفردي المحدود إلى عمليات أكثر تنظيمًا وتأثيرًا.

إلى جانب الإجراءات الميدانية، تسببت العملية في ضغط نفسي على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خاصة أنها وقعت في محطة حافلات مزدحمة، وهو مكان يشكل جزءًا من الحياة اليومية للإسرائيليين. هذا البعد النفسي يضاعف من تأثير العملية، إذ يجعل كل مواطن يشعر بأنه قد يكون هدفًا محتملاً في أي لحظة، ما يضعف الثقة في قدرة المؤسسة الأمنية على الحماية الكاملة.

سياسيًا، زادت العملية من حدة التوتر داخل الحكومة الإسرائيلية، حيث حمّل معارضون نتنياهو مسؤولية تدهور الوضع الأمني، معتبرين أن انشغاله بالأجندات السياسية الداخلية والتوتر مع الجيش ترك فراغًا استغلته المقاومة الفلسطينية لنقل المعركة إلى قلب القدس. كما دفعت العملية القيادة السياسية إلى عقد اجتماعات طارئة لتقييم الوضع، وهو ما يؤكد إدراكها أن الحدث يتجاوز كونه "هجومًا معزولًا" إلى كونه مؤشرًا على مرحلة جديدة من التحديات الأمنية.

وفي المحصلة، تبدو إسرائيل بعد عملية راموت أمام مأزق أمني مزدوج: فمن جهة، هي مطالبة برد عسكري وأمني لطمأنة جبهتها الداخلية؛ ومن جهة أخرى، تواجه واقعًا يثبت أن كل التدابير الاحترازية لم تمنع المقاومة من تنفيذ عملية موجعة في قلب القدس. وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري داخل الأوساط الإسرائيلية: إلى أي مدى يمكن لمنظومة الاحتلال الأمنية أن تبقى حصنًا محكمًا في وجه مبادرات فردية أو جماعية فلسطينية تملك عنصر المفاجأة والإرادة؟

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة