في خطوة غير متوقعة، أعلنت الولايات المتحدة عن التوصل إلى تفاهم مع أنصار الله (الحوثيين) في اليمن يقضي بوقف الهجمات المتبادلة في البحر الأحمر، ما أثار موجة من ردود الفعل المتباينة، لا سيما من الجانب الإسرائيلي، وكشف عن تحول لافت في النهج الأميركي بالمنطقة.
وخلال مؤتمر صحفي جمعه برئيس الوزراء الكندي، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الاتفاق الذي ينص على توقف الجماعة اليمنية عن استهداف السفن الأميركية، مقابل وقف الغارات الجوية التي ينفذها الجيش الأميركي ضد مواقع الحوثيين.
غير أن الرواية العمانية جاءت مختلفة، إذ أكدت وزارة الخارجية في مسقط أن التفاهم تم بوساطة عمانية، ويقضي بوقف متبادل للهجمات، لكنه يضمن فقط سلامة السفن الأميركية دون غيرها، ولا يشمل أي التزام من الحوثيين بوقف الهجمات على إسرائيل.
ردة الفعل الإسرائيلية جاءت حادة، إذ عبرت مصادر رسمية عن "الدهشة" من الإعلان الأميركي. ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤولين قولهم إنهم "فوجئوا بإعلان ترامب"، في حين كشف موقع "أكسيوس" عن أن واشنطن لم تُخطر تل أبيب مسبقاً بالاتفاق، ما يعكس فتوراً في التنسيق بين الحليفين.
ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور خليل العناني أن الاتفاق يكشف عن تصدع في العلاقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويؤشر إلى تحوّل في الموقف الأميركي من الصراع مع الحوثيين. وقال العناني في حديثه لبرنامج "مسار الأحداث" للجزيرة، إن ترامب يبدو أقل خضوعاً لرغبات نتنياهو مقارنة بسلفه جو بايدن، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي يتحرك وفق حسابات داخلية مرتبطة بتيار "ماغا" الذي يدفع نحو العزلة وتخفيف الانخراط في صراعات الشرق الأوسط.
ويضيف العناني أن الاتفاق يعكس إدراك ترامب لمحاولة نتنياهو جر الولايات المتحدة إلى صدام أوسع، لا سيما مع إيران، في وقت يشهد تصعيداً إسرائيلياً ضد اليمن.
قلق من صفقة نووية مستقبلية مع إيران
من جانبه، يرى الدكتور مهند مصطفى، الخبير في الشأن الإسرائيلي، أن الاتفاق قد يشكل تمهيداً لاتفاق نووي مع طهران لا يراعي المخاوف الأمنية الإسرائيلية. ويحذر من أن تجاوز إسرائيل في هذا الملف الحساس قد يكون بمثابة "7 أكتوبر سياسي" جديد لنتنياهو، يسرّع من نهايته السياسية.
ويضيف مصطفى أن واشنطن قد تتخذ خطوات أخرى مستقبلاً بمعزل عن إسرائيل، سواء في الملف السوري أو غيره، ما يضع تل أبيب أمام مأزق استراتيجي، خصوصاً إذا تراجعت الولايات المتحدة عن دعمها المباشر للهجمات ضد الحوثيين، ما يترك إسرائيل وحيدة أمام صواريخ ومسيرات الجماعة.
توازن هش ومكاسب جزئية
أما الباحث في مركز الجزيرة للدراسات، الدكتور لقاء مكي، فيرى أن الاتفاق لا يشكل انتصاراً حاسماً لأي من الطرفين. فترامب لم ينجح في تأمين الملاحة الدولية بشكل كامل، واقتصر الاتفاق على السفن الأميركية فقط، بينما قدم الحوثيون تنازلاً باستثناء السفن الأميركية، بما في ذلك تلك المتجهة إلى إسرائيل، من أي استهداف.
ويشير مكي إلى أن الاتفاق قد يعكس تغيراً في أسلوب إدارة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، دون أن يصل إلى حد القطيعة. فبينما تبقى المصالح الأمنية الإسرائيلية أولوية أميركية، إلا أن نتنياهو مطالب الآن بالتعامل مع ترامب "كما يتعامل الموظف مع رئيسه"، بحسب تعبيره.
ويرى مكي أن كلا الطرفين خرج بمكاسب نسبية؛ فواشنطن تخلصت من أعباء الغارات العسكرية التي لم تحقق أهدافها، فيما نجح الحوثيون في وقف تلك الضربات مع الاحتفاظ بحقهم في استهداف إسرائيل.
إسرائيل في مواجهة مفتوحة
في ظل هذا المشهد الجديد، تواجه إسرائيل تحدياً استراتيجياً يتمثل في التصدي منفردة لهجمات الحوثيين، في وقت لا تملك فيه حلولاً استخباراتية فعالة أو أنظمة دفاعية قادرة على صد كل الصواريخ والطائرات المسيرة القادمة من اليمن، كما يقول مهند مصطفى.
وبحسب التحليلات، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة للرد العسكري على كل صاروخ يطلق تجاهها من اليمن، ما يفتح الباب على جبهة استنزاف جديدة لطالما لعبت فيها واشنطن دوراً مباشراً.
أعلنت سلطنة عمان وساطتها بين واشنطن والحوثيين والتوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار بين الجانبين بما في ذلك السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب، وذلك بعد وقت وجيز من تصريح لترامب قال فيه إن بلاده ستوقف فورا الهجمات التي تشنها على اليمن.
من جانب الحوثيين، أكد القيادي في حركة "أنصار الله" ورئيس المجلس السياسي الأعلى في اليمن مهدي المشاط، أن دعم غزة في وجه العدوان الإسرائيلي "ثابت وماضٍ مهما كان الثمن"، مشدداً على أن العمليات الأخيرة أثبتت أن "ضرباتنا مؤلمة وستستمر".
وقال المشاط في تصريحات رسمية الثلاثاء: "لا تراجع عن إسناد غزة مهما كان الثمن، وما حصل يثبت أن ضرباتنا مؤلمة وستستمر"، في إشارة إلى الهجمات البحرية والجوية التي تنفذها الحركة في إطار ما تسميه "نصرة الشعب الفلسطيني".
ووصف العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ 19 شهراً بأنه "يؤكد صوابية تحرك شعبنا وجهاده، ويطمئنه أكثر عندما يرى أنه في مواجهة أقذر عدو عرفته البشرية"، حسب تعبيره.
وفي لهجة تحذيرية، توجه المشاط برسالة مباشرة إلى الإسرائيليين قائلاً: "ردنا بإذن الله سيكون مزلزلًا، مؤلمًا، ولن يكون بمقدور العدو الإسرائيلي تحمله"، مضيفاً: "لكل الصهاينة من الآن وصاعداً، الزموا الملاجئ، أو غادروا إلى أوطانكم فورًا، فلن يكون بمقدور حكومتكم الفاشلة حمايتكم بعد اليوم".
كما قال رئيس اللجنة الثورية العليا محمد علي الحوثي إن وقف الولايات المتحدة "للعدوان" على اليمن "سيتم تقييمه ميدانيا أولا".
وأضاف في منشور على منصة إكس "عمليات اليمن كانت ولا زالت إسنادا لغزة لإيقاف العدوان"، مشيرا إلى أن وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة لا يشمل وقف الهجمات على "إسرائيل".
من جهتها، أفادت هيئة البث العام الإسرائيلية ("كان 11")، مساء الثلاثاء، بأن إعلان الرئيس الأميركي بشأن وقف الهجمات على الحوثيين، فاجأ المسؤولين الإسرائيليين، وذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن المستوى السياسي في إسرائيل لم يُبلغ مسبقًا بهذا الشأن قبل تصريحات ترامب.
وقالت صحيفة "يسرائيل هيوم" عن مصدر إسرائيلي مطلع، بأن إعلان ترمب بشأن الحوثيين يعد خبرًا سيئًا جدًا بالنسبة لإسرائيل.
ويقوم ترامب بجولة في منطقة الشرق الأوسط في الفترة من 13 إلى 16 مايو/أيار الحالي، يزور خلالها كلا من السعودية وقطر والإمارات، ولن تشمل "إسرائيل".
وكان المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، قد صرح الإثنين بأنه يأمل بأن تصدر قريبا "إعلانات مهمة تتعلق بتوسيع اتفاقيات أبراهام".
