تقرير العدس والمعكرونة بديل الطحين في غزة.. ضرورة ملحة للبقاء على قيد الحياة!

العدس والمعكرونة بديل الطحين في غزة.. ضرورة ملحة للبقاء على قيد الحياة

خاص _ حمزة عماد 

في زوايا خيام غزة التي أنهكها الحصار والجوع، لم يعد الخبز مجرد طعام يومي، بل بات رمزًا للصمود، ومعجزة تُولد من رحم الحاجة، ومع استمرار الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالقطاع، وارتفاع أسعار دقيق القمح بنسبة فاقت 500%، وجدت كثير من الأسر نفسها عاجزة عن الحصول على ما كان يومًا أبسط أساسيات الحياة.

وسط هذه الأزمة، بدأت رحلة البحث عن بدائل، لم يكن الأمر ترفًا ولا تجربة طهي جديدة، هي محاولة حقيقية للبقاء، وبدلاً من الدقيق، لجأ سكان القطاع إلى ما توفر لديهم: أرزٌ يُطحن، معكرونة تُسحق، بطاطا تُعجن، وعدسٌ يُخمر، كلها تحوّلت إلى خبز يقي من الجوع، ولو مؤقتًا.

حين تصبح المعكرونة خبزًا

في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، تقف عفاف عبد ربه، أمٌ لسبعة أطفال، أمام موقد حطب قديم، تروي بلهجة يختلط فيها التعب بالإصرار: "أطفالي يجمعون المعكرونة من التكية، أغسلها جيدًا من بقايا الصلصة، أصفّيها، ثم أضيف ماءً دافئًا، قليلًا من السكر، الخميرة، ورشة ملح، أعجنها وأتركها لتختمر، بعدها، أخبزها على نار الحطب".

تقولها خلال حديثها لـ "شهاب" وهي تقلب الأرغفة في المقلاة: "طعم هذا الخبز ليس كالخبز العادي، لكنه يسد جوع أطفالي، بدأنا صنعه منذ تفاقمت المجاعة في الشمال قبل عشرة أشهر".

وأوضحت عبد ربه أن المجاعة انتشرت في كل أرجاء القطاع بشكل كبير بسبب إغلاق المعابر واستمرار الحرب، مشيرة إلى أن المؤسسات المعنية بتقديم المساعدات توقفت عن خدماتها والأوضاع باتت صعبة جدًا في كل مكان.

وتابعت قائلة "أطفالنا باتوا ينامون والجوع ينخر أجسادهم، لا نعرف ماذا نفعل، وجبة واحدة في اليوم فقط ونصبر أنفسنا على القليل من الطعام".

أرغفة مقنّنة بطعم البقاء

في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تسلك المواطنة ريم عمر دربًا آخر للخبز، تذهب مشيًا على الأقدام لمحل توابل في شارع الجلاء وسط المدينة، بما تبقى من أرز ومعكرونة لطحنهما في مطحنة كهربائية، تدور ببطء، كما تدور أيامهم المثقلة بالقلق.

ريم عمر، أمٌ لخمسة أبناء، تحرص على توزيع عشرة أرغفة على يومين، نصف رغيف لكل فرد، وتقول: "في الصباح، أُشعل نار الحطب، أُسخّن الماء، وأعجنه مع خليط الأرز والمعكرونة، وأضيف الملح، والسكر، والخميرة، أحيانًا أصنع منه مناقيش الزعتر والدقة، وأستخدم زيت الزيتون بدلًا من النباتي رغم ارتفاع سعره، فقط لأخفي مرارة الطعم".

وتواصل عمر حديثها عن الأزمة " أهالي غزة يبتكرون من أي شيء شيء من أجل البقاء على قيد الحياة، في فترات المجاعة قمنا بصناعة طعام من أي نوع متوفر للاستمرار في حياتنا"

حين يُصبح العدس عجينًا

وفي حي الشيخ رضوان وسط مدينة غزة، تعاني المواطنة عبير الصفدي من قلة الحيلة في وجه أسعار لا ترحم، ارتفع سعر كيلو الدقيق من 4 إلى أكثر من 50 شيقلًا، فأصبحت وصفة خبز العدس طوق نجاتها.

تقول الصفدي خلال حديثها لـ شهاب: "كنت أنقع العدس طوال الليل، أغير الماء للتخلص من الغازات، ثم أضيف الماء الدافئ، الخميرة، الملح، والسكر، وأطحنه بخلاط موصول بنقطة شحن تعمل بالطاقة الشمسية".

 تقولها بينما تراقب الخبز يتحمر فوق موقد الحطب "الخبز الناتج سائل، أصبه وأحمّره من الوجهين، طعمه مقبول، لكنه ليس خبز الدقيق الذي يحبونه، أولادي بدأوا يملّون من خبز العدس، يطالبونني بالخبز العادي، لكني لا أستطيع أن أشتريه، سعر الكيس الواحد تجاوز الألف شيقل، وهذا يفوق أي قدرة بشرية في مثل ظروفنا".

لم تعد وجبة الخبز في غزة مجرد حاجة غذائية، بل تحوّلت إلى فعل مقاومة يومي ضد الجوع والخذلان، بين طحين الأرز، وعدسٍ يُبلّ، ومعكرونة تُعجن، تنبت إرادة البقاء، وتتشكل أرغفة من الكرامة، تُسكت جوع الأطفال، وتُبقي الأمهات على قيد الحلم.

في ظل غياب الحلول، واستمرار الحصار، وتراجع المساعدات، يبقى الخبز في غزة شهادة يومية على مأساة لا تنتهي، وعلى شعبٍ لا ينكسر.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة